ماكرون يطلق أكبر تحول نووي أوروبي منذ الحرب الباردة

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قاعدة إيل لونغ البحرية عن حزمة تغييرات جوهرية في العقيدة النووية الفرنسية، متعهداً بزيادة عدد الرؤوس الحربية وتعزيز التعاون النووي مع دول أوروبية، في خطوة وُصفت بأنها الأهم منذ نهاية الحرب الباردة.
وأشار ماكرون إلى التهديدات المتزايدة من روسيا والصين، إضافة إلى ما اعتبره تغيراً في أولويات الدفاع الأميركية، كأسباب تدفع باريس إلى إعادة ضبط استراتيجيتها النووية.
وقال إن تعزيز الترسانة الفرنسية “أمر لا غنى عنه” للحفاظ على مصداقية الردع.
وقد أُلقي الخطاب في القاعدة التي تضم الغواصات النووية الأربع التابعة للبحرية الفرنسية، حيث أكد ماكرون أن غواصة واحدة من هذا الطراز تحمل قوة تدميرية تعادل مجمل القنابل التي أُلقيت على أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.
ولم يكشف عن عدد الرؤوس الإضافية التي تخطط فرنسا لإنتاجها، مكتفياً بالتأكيد أن الزيادة ضرورية لضمان الردع. وفرنسا والمملكة المتحدة هما القوتان النوويتان الوحيدتان في أوروبا.
وتمتلك باريس نحو 300 رأس حربي موزعة بين قوة بحرية وجوية، مع وجود غواصة واحدة على الأقل في دورية دائمة. وعلى خلاف بريطانيا، لا تشارك فرنسا في مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف حلف شمال الأطلسي، لكنها تؤكد منذ عقود أن مصالحها الحيوية ذات بُعد أوروبي.
وأبرز ما في التحول الجديد هو فتح الباب أمام تدريبات نووية مشتركة مع شركاء أوروبيين، إضافة إلى احتمال نشر مؤقت لطائرات مقاتلة فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في دول حليفة.
وذكر ماكرون أن دولاً مثل ألمانيا وبولندا وبلجيكا وهولندا واليونان والسويد والدنمارك أبدت اهتماماً بتعزيز التعاون في مجال الردع النووي.
وأكد الرئيس الفرنسي أن هذا الجهد لن يكون بديلاً عن المظلة النووية الأميركية أو مهام الناتو، بل مكملاً لها، مشددا على أن القرار النهائي باستخدام السلاح النووي سيظل حصراً بيد الرئيس الفرنسي.
ويأتي التحول بعد سنوات من طرح ماكرون لفكرة “حوار نووي استراتيجي” مع الحلفاء الأوروبيين منذ عام 2020، وهي مبادرة لم تلقَ استجابة واسعة في بدايتها.
غير أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، إضافة إلى إعادة انتخاب دونالد ترامب، أعادا فتح النقاش حول مدى الاعتماد الأوروبي على الضمانات الأمنية الأميركية.
وفي الداخل الفرنسي، واجه ماكرون انتقادات من زعيم حزب التجمع الوطني جوردان بارديلا ومن رئيس حزب الجمهوريين برونو ريتيلو، اللذين حذرا من تقويض السيادة النووية الفرنسية عبر توسيع دائرة الشركاء.
لكن محللين اعتبروا الخطاب متوازناً بين الحفاظ على السيادة الوطنية وتعزيز الأمن الأوروبي. كما أعلنت فرنسا وألمانيا تشكيل “مجموعة توجيه نووية” مشتركة لبحث العقيدة والتكامل بين القدرات التقليدية والدفاع الصاروخي والردع النووي الفرنسي.
وأكد ماكرون، الذي يتبقى له 14 شهراً في منصبه قبل انتخابات 2027، أن البرامج الجديدة يجب أن تبدأ هذا العام، بما في ذلك استضافة حلفاء في مواقع استراتيجية وتنظيم تدريبات مشتركة.
وأشار إلى أن إشراك الدول الأوروبية في تدريبات الردع يمثل بداية ما وصفه بـ”الردع الاستباقي”.
وقوبل التحرك الفرنسي بردود فعل إيجابية من عدة عواصم أوروبية. المستشار الألماني فريدريش ميرز أكد رغبة برلين في خطوات ملموسة تشمل مشاركة تقليدية ألمانية في التدريبات النووية الفرنسية.
كما رحب رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون بالمبادرة، معتبراً أنها تعزز القدرات الدفاعية الجماعية لأوروبا.
وبهذا الإعلان، تدخل فرنسا مرحلة جديدة في سياستها النووية، تسعى من خلالها إلى ترسيخ دورها كركيزة رئيسية للأمن الأوروبي في ظل بيئة استراتيجية مضطربة وتغيرات في موازين القوى الدولية.



