يعيش قطاع الأعمال في إسبانيا حالة من القلق والترقب مع تصاعد التوتر السياسي بين مدريد وواشنطن، بعد رفض الحكومة الإسبانية السماح للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام قواعدها الجوية في الهجمات على إيران، وهو قرار أثار غضب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفتح الباب أمام تهديدات بعقوبات اقتصادية واسعة.
ورغم أن الحكومة الإسبانية أبدت موقفاً سياسياً حازماً في معارضة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن الشركات الإسبانية بدأت بالفعل الاستعداد لأسوأ السيناريوهات، خشية أن تتحول الأزمة السياسية إلى مواجهة اقتصادية مع واشنطن.
وقد هدد ترامب ووزير خزانته سكوت بيسنت في الأيام الماضية بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا رداً على موقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
وأثار هذا التهديد مخاوف كبيرة داخل الأوساط الاقتصادية في البلاد، خصوصاً أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات قوية للضغط الاقتصادي يمكن استخدامها في مثل هذه النزاعات.
وتشمل هذه الأدوات الرسوم الجمركية، والعقوبات المالية، وحتى القيود على الوصول إلى الدولار الأمريكي، وهو ما استخدمته واشنطن سابقاً للضغط على دول أخرى دون اللجوء إلى القوة العسكرية.
ورغم أن الولايات المتحدة ليست الشريك التجاري الأكبر لإسبانيا، فإن الاقتصاد الإسباني يعتمد بشكل ملحوظ على واردات الطاقة الأمريكية.
فقد جاءت أكثر من 15 بالمئة من واردات النفط الإسبانية العام الماضي من الولايات المتحدة، كما زودت واشنطن إسبانيا بنسبة قياسية بلغت 44 بالمئة من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال خلال شهر يناير الماضي.
ويرى خبراء أن أي توقف في هذه الإمدادات قد يشكل ضربة قاسية للاقتصاد الإسباني، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.
كما تخشى مناطق صناعية رئيسية في إسبانيا من تداعيات أي تصعيد اقتصادي مع واشنطن.
ففي إقليم الباسك، أحد أهم المراكز الصناعية في البلاد، تذهب نحو 8 بالمئة من الصادرات مباشرة إلى السوق الأمريكية.
وقال أندر كاباييرو، المسؤول عن الشؤون الخارجية في حكومة إقليم الباسك، إن أي قيود تجارية أمريكية قد تؤثر بشكل مباشر على قطاعات مثل صناعة السيارات والآلات الصناعية والصلب والألومنيوم.
وأضاف أن هذه الصناعات جزء من سلاسل إنتاج أوروبية واسعة تشمل شركات ألمانية وفرنسية وبريطانية كبرى، ما يعني أن أي عقوبات أمريكية قد تمتد آثارها إلى شركاء أوروبيين آخرين.
وقدّر كاباييرو أن خسائر إقليم الباسك وحده قد تصل إلى نحو مليار يورو إذا فُرضت قيود تجارية على صادراته إلى الولايات المتحدة.
ودفع هذا القلق حكومة إقليم الباسك إلى عقد اجتماع طارئ لما يسمى مجموعة “الدفاع الصناعي”، وهي هيئة تضم مسؤولين حكوميين وغرف تجارة وقادة صناعيين.
وتهدف هذه المجموعة إلى إعداد خطط طوارئ للتعامل مع أي اضطرابات محتملة في التجارة نتيجة التوترات الجيوسياسية.
وقال رئيس حكومة الإقليم إيمانول براداليس إن المنطقة لا تستطيع التحكم في التطورات الدولية، لكنها قادرة على التحرك بسرعة لحماية صناعاتها.
وأضاف أن سرعة التحرك ستحدد حجم الأضرار التي قد تلحق بالاقتصاد المحلي.
كما يثير التوتر مع واشنطن مخاوف داخل القطاع المصرفي الإسباني، وخاصة لدى بنك سانتاندير، أكبر بنك في البلاد.
وكان البنك قد أعلن مؤخراً صفقة استحواذ على بنك أمريكي بقيمة 12.2 مليار دولار، وهي صفقة قد تسمح له بدخول قائمة أكبر عشرة بنوك في الولايات المتحدة.
لكن أي تدهور في العلاقات الاقتصادية بين مدريد وواشنطن قد يعقد الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة لإتمام الصفقة.
وحاولت الرئيسة التنفيذية للبنك آنا بوتين طمأنة المستثمرين، مؤكدة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قوية على المدى الطويل.
ورغم هذه المخاوف، يعتقد بعض المحللين أن تهديدات ترامب قد لا تتحول بالضرورة إلى إجراءات فعلية.
فقد سبق للرئيس الأمريكي أن هدد بفرض رسوم جمركية قاسية على عدد من الدول الأوروبية، بينها فرنسا وألمانيا والسويد والنرويج، لكنه لم ينفذ معظم تلك التهديدات.
كما لم تُطبق حتى الآن الرسوم الجمركية البالغة 200 بالمئة التي هدد ترامب بفرضها على النبيذ الفرنسي بعد خلافه مع باريس.
ويرى بعض الخبراء أن ترامب يميل في كثير من الأحيان إلى استخدام التهديدات الاقتصادية كأداة ضغط سياسية قبل التراجع عنها لاحقاً.
ورغم أن الاقتصاد الإسباني يعد من أسرع الاقتصادات نمواً في أوروبا، إذ سجل نمواً بنسبة 2.8 بالمئة في عام 2025 ومن المتوقع أن يتجاوز 2 بالمئة هذا العام، فإن استمرار الحرب في الشرق الأوسط قد يهدد هذا الأداء.
فارتفاع أسعار الطاقة والتوترات التجارية قد يدفعان التضخم إلى الارتفاع ويؤثران على النمو الاقتصادي.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية تكشف مدى هشاشة الاقتصاد العالمي أمام الصراعات الجيوسياسية، حيث يمكن لقرار سياسي واحد أن يهدد سلاسل التجارة والطاقة في عدة قارات.
ومع استمرار التوتر بين واشنطن ومدريد، تبقى الشركات الإسبانية في حالة ترقب حذر، بين أمل في احتواء الأزمة وخوف من أن تتحول الحرب السياسية إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة.

