Site icon أوروبا بالعربي

سباق أوروبي خفي: العواصم تتنافس لتثبيت نفوذها داخل مؤسسات الاتحاد

الاتحاد الأوروبي

تتحول مسابقة التوظيف الجديدة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى سباق غير معلن بين الدول الأعضاء، في محاولة لوضع أكبر عدد ممكن من مواطنيها داخل الجهاز البيروقراطي للتكتل، في خطوة يرى دبلوماسيون أنها قد تؤثر في موازين النفوذ داخل بروكسل لعقود مقبلة.

ويمثل فتح المسابقة الجديدة لاختيار الجيل القادم من كبار موظفي الاتحاد الأوروبي أول فرصة منذ سبع سنوات تتيح لعامة المتقدمين التنافس على وظائف رفيعة داخل مؤسسات الاتحاد، بدلاً من اقتصارها على تخصصات محددة مثل القانون أو الموارد البشرية أو المالية.

وتشرف على عملية الاختيار المكتب الأوروبي لاختيار الموظفين، حيث يتنافس أكثر من خمسين ألف متقدم على نحو 1900 وظيفة فقط.

ويقول دبلوماسيون من ست دول أعضاء إن هذه المسابقة تُعد فرصة استراتيجية لمعالجة ما يرونه نقصاً في تمثيل بعض الدول داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تعزيز حضورها في مواقع صنع القرار مستقبلاً.

وتستهدف المسابقة وظائف من الفئة الإدارية المعروفة باسم AD-5، وهي بوابة الدخول إلى المسار المهني داخل مؤسسات الاتحاد، ويتراوح راتبها بين ستة آلاف وسبعة آلاف يورو شهرياً.

وخلال مراحل التقييم النهائية تؤخذ الجنسية في الاعتبار كأحد عناصر التوازن لضمان تمثيل جغرافي عادل بين الدول الأعضاء.

ودفعت أهمية هذه الوظائف العديد من الحكومات الأوروبية إلى إطلاق برامج تدريبية وتمويل دورات تحضيرية لمرشحيها من أجل رفع فرص نجاحهم في الاختبارات.

وقالت آسيا ريازانتسيفا، منسقة التوظيف الأوروبية في المجلس السويدي للتعليم العالي، إن بلادها كانت تستعد لهذه المسابقة منذ سنوات.

وأضافت أن الدورات التدريبية المخصصة للمتقدمين السويديين أصبحت مكتظة، مشيرة إلى أن الحكومة السويدية تمول هذه الدورات بالكامل للمواطنين.

وتعد السويد واحدة من عدة دول تعتبر نفسها ممثلة تمثيلاً ناقصاً داخل مؤسسات الاتحاد.

كما تشمل قائمة الدول التي تسعى إلى تعزيز حضورها داخل الجهاز الإداري الأوروبي كلاً من الدنمارك وفنلندا وألمانيا وأيرلندا وهولندا.

وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن تمثيل هذه الدول في مؤسسات الاتحاد أقل من حجمها السكاني داخل التكتل.

فعلى سبيل المثال، تمثل هولندا نحو 3.9% من سكان الاتحاد الأوروبي، لكن نسبة المتقدمين منها في مسابقة التوظيف السابقة عام 2019 لم تتجاوز 2%.

وردّاً على ذلك، أطلقت وزارة الخارجية الهولندية برامج لتشجيع المتقدمين، بما في ذلك توفير مواد تدريبية مجانية وإنشاء ما يسمى “شبكة المواهب” لتأهيل المرشحين.

كما أطلقت بولندا حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعريف الشباب بهذه المسابقة، إلى جانب تنظيم دورات تدريبية لتعليم المتقدمين كيفية اجتياز اختبارات التفكير اللفظي والعددي والمجرد.

وفي المقابل، لا تواجه بعض الدول المشكلة نفسها في التمثيل. فكل من إيطاليا وبلجيكا تعدان تقليدياً من بين الدول الأكثر حضوراً داخل الجهاز الإداري للاتحاد الأوروبي.

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن بروكسل، التي تستضيف معظم مؤسسات الاتحاد، تقع في بلجيكا، إضافة إلى أن الرواتب داخل مؤسسات الاتحاد كانت تاريخياً أعلى بكثير من متوسط الأجور في بعض الدول.

ويثير هذا السباق بين الحكومات الأوروبية مفارقة في طبيعة عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

فمن الناحية الرسمية، يُفترض أن يعمل موظفو الاتحاد بشكل مستقل عن حكوماتهم الوطنية، وأن يركزوا على المصلحة الأوروبية المشتركة.

لكن في الواقع، تبذل الحكومات جهوداً كبيرة لضمان وصول أكبر عدد من مواطنيها إلى هذه المناصب.

ويقول أندراس بانيث، مؤسس شركة تدريب متخصصة في إعداد المرشحين لوظائف الاتحاد الأوروبي، إن هذا التنافس يعكس تناقضاً واضحاً في آلية عمل الاتحاد.

وأوضح أن الحكومات تدرك أن وجود موظفين من مواطنيها داخل مؤسسات الاتحاد يمنحها تأثيراً غير مباشر على مسار السياسات الأوروبية.

وأضاف أن الموظفين الجدد الذين ينضمون إلى مؤسسات الاتحاد في سن مبكرة قد يبقون في الخدمة لعقود، ما يجعلهم جزءاً دائماً من شبكة صنع القرار في بروكسل.

ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن مسألة التوازن الجغرافي داخل مؤسسات الاتحاد لا تتعلق فقط بتوزيع الوظائف، بل أيضاً بشرعية المشروع الأوروبي.

فكلما عكست مؤسسات الاتحاد تنوع الدول الأعضاء، زادت قدرة المواطنين على الشعور بأنهم ممثلون داخل النظام الأوروبي، وهو ما يعزز الثقة في السياسات المشتركة التي تُصاغ في بروكسل.

Exit mobile version