انحرفت قمة قادة الاتحاد الأوروبي التي تعقد في بروكسل عن أهدافها الاقتصادية الرئيسية، بعدما فرضت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وأزمة الطاقة العالمية نفسها على جدول أعمال القادة، لتتحول القمة من مناقشة مستقبل الاقتصاد الأوروبي إلى محاولة احتواء تداعيات ارتفاع أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية.
وكان القادة الأوروبيون يأملون أن تركز القمة على ملف القدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي، بما في ذلك خطط تقليل الاعتماد على القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وتعزيز استقلالية الاتحاد في المجالات الصناعية والتكنولوجية.
لكن التصعيد العسكري المرتبط بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قلب الأولويات، حيث أجبر القادة على التعامل مع أزمة الطاقة المتفاقمة والانعكاسات الاقتصادية المباشرة لارتفاع أسعار النفط.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قبيل القمة إن الاتحاد الأوروبي مطالب باتخاذ إجراءات عاجلة للتخفيف من تأثير الحرب على أسعار الطاقة.
وأضافت أن المفوضية تدرس مجموعة من الإجراءات لخفض فواتير الطاقة على المواطنين الأوروبيين، مؤكدة أن التكتل يحتاج إلى حلول عاجلة لمواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وأدت الاضطرابات في الشرق الأوسط والهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ في المنطقة إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى نحو 100 دولار للبرميل.
وبحسب دبلوماسيين أوروبيين، فإن الجزء الأكبر من مناقشات القمة سيتركز على كيفية تخفيف تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر والشركات في دول الاتحاد الأوروبي.
وقال أحد الدبلوماسيين إن أزمة الطاقة التي كانت مصدر قلق منذ أشهر تحولت الآن إلى حالة طوارئ سياسية واقتصادية.
وأضاف أن القادة ينتظرون من المفوضية الأوروبية تقديم مقترحات عملية لمواجهة ارتفاع الأسعار والحد من آثار التضخم.
ويخشى القادة الأوروبيون من أن يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين، ما قد يعزز شعبية الأحزاب الشعبوية المناهضة للاتحاد الأوروبي في عدد من الدول.
إلى جانب الأزمة الاقتصادية، تبرز انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
فقد دعا معسكر يقوده رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى أن تتضمن نتائج القمة دعوة صريحة لاحترام القانون الدولي، في إشارة غير مباشرة إلى الانتقادات الأوروبية للضربات العسكرية التي شنتها واشنطن وتل أبيب.
لكن مجموعة أخرى من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا، تتحفظ على اتخاذ مواقف قد تثير غضب واشنطن.
ويخشى هذا المعسكر أن يؤدي انتقاد الولايات المتحدة إلى توتر العلاقات عبر الأطلسي في وقت تحتاج فيه أوروبا إلى دعم واشنطن في ملفات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون داخل حلف الناتو.
وقال دبلوماسي أوروبي إن المخاطر السياسية لإغضاب الإدارة الأمريكية مرتفعة، مضيفاً أن القادة الأوروبيين يفضلون تجنب تصعيد تجاري أو سياسي مع واشنطن.
وفي موازاة هذه التوترات، يواجه الاتحاد الأوروبي أزمة داخلية جديدة بسبب موقف المجر.
فقد هدد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان باستخدام حق النقض ضد خطة أوروبية لتقديم قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، وهو ما أثار غضب عدد من القادة الأوروبيين.
وقال دبلوماسيون إن بعض الحكومات الأوروبية بدأت تتخذ موقفاً أكثر حدة تجاه بودابست بسبب ما تعتبره تعطيلًا متكرراً للقرارات الأوروبية المشتركة.
لكن المسؤولين الأوروبيين يدركون أن أي إجراءات قانونية ضد المجر قد تستغرق وقتاً طويلاً، في حين تحتاج أوكرانيا إلى الدعم المالي بشكل عاجل.
كما يتوقع أن تشهد القمة خلافات حول مستقبل سياسة الطاقة الأوروبية.
فقد دعت مجموعة من دول شمال أوروبا وإسبانيا إلى الحفاظ على نظام تداول الانبعاثات الأوروبي وتعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة باعتبارها الطريق نحو الاستقلال الطاقي.
لكن دولاً أخرى مثل إيطاليا وبولندا تضغط لتعديل هذا النظام بسبب مخاوف من ارتفاع الأسعار، خاصة أن اقتصاداتهما لا تزال تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
ويرى مسؤولون أن أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة قد تتطلب آليات خاصة لمنع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
كما يخشى القادة الأوروبيون من أن تؤثر الحرب في الشرق الأوسط على دعم أوكرانيا. فارتفاع أسعار النفط قد يعزز الموارد المالية لروسيا، فيما قد يؤدي تزايد الطلب على الأسلحة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى تقليص الإمدادات العسكرية المخصصة لكييف.
ويرى بعض المسؤولين أن هذه التطورات قد تمنح صناعة الدفاع الأوروبية فرصة لتعزيز دورها في دعم أوكرانيا.
وقد بدأت كييف بالفعل إرسال خبراء في تقنيات مكافحة الطائرات المسيرة إلى بعض دول الخليج للمساعدة في مواجهة الهجمات الجوية.
لكن قادة قطاع الصناعات الدفاعية يحذرون من أن الطلب العالمي على الأسلحة يتزايد بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة على الإنتاج.
وقال رئيس شركة ليوناردو الإيطالية للصناعات الدفاعية إن العالم يشهد تزايداً سريعاً في عدد الصراعات العسكرية، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً لقدرة الصناعة الدفاعية على تلبية الطلب المتصاعد.

