تدفع أوكرانيا لإعادة صياغة دور حلف شمال الأطلسي، في ظل تصاعد الشكوك حول مستقبل التحالف، معتبرة أن الأزمة الحالية قد تمثل فرصة لإعادة بنائه بشكل أكثر فاعلية، وليس مؤشراً على انهياره.
وتأتي هذه الدعوة في وقت أثارت فيه تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف قلقًا واسعًا داخل الدول الأعضاء، حيث حذّر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من أن هذا السيناريو يخدم المصالح الروسية بشكل مباشر.
في المقابل، تبنّت مبعوثة أوكرانيا لدى الناتو، أليونا غيتمانشوك، خطابًا مختلفًا، معتبرة أن ما يحدث يمثل فرصة لـ“إعادة ابتكار الحلف”، بدلًا من التركيز على سيناريوهات التفكك.
وترى كييف أن الاضطرابات داخل الناتو قد تفتح المجال أمام دمج أوكرانيا في هيكل الحلف بشكل جديد، حتى في حال استمرار استبعاد العضوية الكاملة لأسباب سياسية، وهو ما تعتبره خطوة نحو تعزيز قدرات التحالف في مواجهة روسيا.
وتؤكد غيتمانشوك أن الناتو، رغم الانتقادات، لا يزال يشكل نموذجًا فريدًا في ضمان الأمن الجماعي، مشيرة إلى أن المادة الخامسة من معاهدة الحلف تبقى أقوى آلية دفاع مشترك مقارنة بأي ترتيبات أوروبية أخرى.
وتشير إلى أن روسيا، رغم سنوات من محاولات تقويض الناتو، لم تجرؤ على مهاجمة أي دولة عضو بشكل مباشر، ما يعكس فعالية الردع التي يوفرها التحالف.
لكن الطموح الأوكراني بالانضمام إلى الناتو يواجه عقبات واضحة، أبرزها رفض إدارة ترامب لهذه الخطوة، إضافة إلى الحاجة إلى إجماع جميع الدول الأعضاء، وهو ما لا يبدو متاحًا في المرحلة الحالية.
في هذا السياق، تسعى كييف إلى بدائل، من بينها الحصول على ترتيبات أمنية “شبيهة بالمادة الخامسة”، تضمن حماية سيادتها دون الحاجة إلى عضوية كاملة، في محاولة لتجاوز الجمود السياسي داخل الحلف.
وتعكس هذه المقاربة تحولًا في التفكير الأوكراني، حيث لم تعد العضوية الهدف الوحيد، بل باتت الشراكة الأمنية المتقدمة خيارًا واقعيًا في ظل الظروف الحالية.
رغم ذلك، لا تخفي أوكرانيا خيبة أملها من أداء الناتو في المراحل الأولى من الحرب، حيث اتهمت الحلف بمحاولة النأي بنفسه عن تقديم الدعم العسكري الحاسم، خاصة في ما يتعلق بالأسلحة المتقدمة.
لكن هذا الموقف تغيّر لاحقًا، إذ أصبح الناتو اليوم منسقًا رئيسيًا للمساعدات العسكرية، حيث يشرف على أكثر من 80% من الدعم المقدم لأوكرانيا، ما يعكس تحولًا في دور الحلف.
في الداخل الأوكراني، لا يزال الدعم الشعبي للانضمام إلى الناتو مرتفعًا، لكنه يشهد تراجعًا تدريجيًا منذ ذروته في عام 2022، تحت ضغط الحرب والتغيرات السياسية الدولية.
في المقابل، عززت أوكرانيا قدراتها الدفاعية، وطورت أنظمة تسليح خاصة بها، ما يمنحها موقعًا أقوى كشريك محتمل يمكنه الإسهام في قدرات الحلف، وليس مجرد متلقٍ للدعم.
وتؤكد كييف أنها تلعب بالفعل دورًا عمليًا في تنفيذ الاستراتيجية الأساسية للناتو، من خلال مواجهة ما يُعتبر التهديد الرئيسي للتحالف، والمتمثل في روسيا، وهو ما يمنحها ورقة قوة في أي ترتيبات مستقبلية.

