كشف تقرير حديث عن فجوة متزايدة بين أوروبا والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بعد استبعاد الهيئات التنظيمية الأوروبية من الوصول الكامل إلى نموذج متقدم قادر على اكتشاف واستغلال الثغرات الرقمية بشكل يفوق معظم البشر.
وأوضح التقرير أن شركة Anthropic الأمريكية أطلقت نموذجها الجديد “Mythos” بشكل محدود، حيث منحته حصريًا لمجموعة مختارة من الشركاء التقنيين، معظمهم من الشركات الأمريكية الكبرى، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل الأوساط الأوروبية.
وبحسب المعطيات، اختارت الشركة 12 شركة تقنية رئيسية، من بينها Apple وMicrosoft وAmazon، ضمن دائرة الوصول المباشر إلى النموذج، إلى جانب 40 جهة أخرى لم تُكشف هويتها، بينما بقيت المؤسسات الأوروبية خارج هذا الإطار.
وأشارت الشركة إلى أن نموذج “Mythos” يمتلك قدرات غير مسبوقة، إذ يمكنه اكتشاف واستغلال الثغرات السيبرانية بدرجة تفوق جميع البشر تقريبًا، باستثناء نخبة محدودة من الخبراء، ما يجعله أداة مزدوجة الاستخدام.
فمن جهة، يمكن أن يسهم في تعزيز الدفاعات السيبرانية عبر كشف نقاط الضعف بسرعة، ومن جهة أخرى قد يتحول إلى سلاح خطير إذا وقع في أيدي جهات خبيثة قادرة على استغلال هذه القدرات في تنفيذ هجمات واسعة النطاق.
ويحذر خبراء من أن إطلاق مثل هذه التكنولوجيا دون إشراف دولي صارم قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في الهجمات الإلكترونية، خاصة مع غياب إطار عالمي ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال.
وكشف التقرير أن معظم الهيئات التنظيمية الأوروبية لم تحصل إلا على وصول محدود أو جزئي إلى النموذج، فيما أكدت وكالة واحدة فقط في ألمانيا أنها دخلت في محادثات مع الشركة، دون أن تتمكن من اختبار النظام بشكل كامل حتى الآن.
وفي المقابل، برزت المملكة المتحدة كاستثناء، حيث تمكن معهد أمن الذكاء الاصطناعي فيها من اختبار النموذج واتخاذ إجراءات بناءً على نتائجه، ما يعكس تفاوتًا واضحًا داخل أوروبا نفسها.
ويرى خبراء أن هذا التباين يكشف ضعف النفوذ الأوروبي على شركات التكنولوجيا الأمريكية، رغم طموح الاتحاد الأوروبي للعب دور قيادي في تنظيم القطاع الرقمي عالميًا.
وسلّط التقرير الضوء على فشل المجتمع الدولي في إنشاء نظام فعال لحوكمة الذكاء الاصطناعي، رغم التحذيرات المتكررة من مخاطره المحتملة على الاقتصاد والأمن وحتى مستقبل البشرية.
وأشار يوشوا بنجيو، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، إلى أن ترك إدارة هذه التقنيات في يد الشركات الخاصة دون رقابة حكومية يمثل “مصدر قلق كبير”، مؤكدًا الحاجة إلى آليات تتيح للجهات العامة مراجعة هذه الأنظمة لحماية المجتمع.
كما حذّر خبراء من أن السباق العالمي نحو تطوير الذكاء الاصطناعي أدى إلى تراجع الاهتمام بقضايا السلامة، في ظل تركيز الحكومات على تحقيق التفوق التكنولوجي.
واعتبر مسؤولون أوروبيون أن هذه التطورات تشكل ضربة لطموحات الاتحاد الأوروبي كقوة تنظيمية في قطاع التكنولوجيا، خاصة في ظل اعتماد القارة على شركات أمريكية تقود الابتكار في هذا المجال.
وأكدت مسؤولة الأمن السيبراني الألمانية كلوديا بلاتنر أن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كانت هذه الأدوات “فائقة القوة” ستُطرح في السوق المفتوحة، لما لذلك من تداعيات مباشرة على الأمن القومي والسيادة الرقمية الأوروبية.
ويرى محللون أن إطلاق نماذج ذكاء اصطناعي بهذه القدرات دون رقابة كافية قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراعات السيبرانية، حيث تصبح الهجمات أكثر سرعة وتعقيدًا وصعوبة في الاحتواء.
كما يثير التقرير تساؤلات حول مستقبل التوازن بين الابتكار والأمن، خاصة في ظل غياب قواعد واضحة تحكم تطوير واستخدام هذه التقنيات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أوروبا أمام تحدٍ مزدوج: اللحاق بركب التطور التكنولوجي من جهة، وضمان عدم تحول هذه الأدوات إلى تهديد لأمنها الرقمي من جهة أخرى.
ويخلص التقرير إلى أن العالم يقف أمام لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد النقاش يدور حول إمكانات التكنولوجيا فحسب، بل حول كيفية السيطرة عليها.
وفي ظل استمرار هيمنة الشركات الخاصة على تطوير هذه النماذج، تبقى مسألة الرقابة والتنظيم الدولي مفتوحة، ما يضع الحكومات أمام اختبار حقيقي في موازنة الابتكار مع الأمن، قبل أن تخرج هذه التقنيات عن السيطرة.

