تواجه ألمانيا تحدياً استراتيجياً متزايداً في قدراتها الدفاعية، بعد تراجع خطط نشر صواريخ أمريكية بعيدة المدى على أراضيها، وهو ما يثير مخاوف من وجود فجوة في منظومة الردع داخل أوروبا في مواجهة روسيا.
وجاء هذا التطور عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا، وهو ما قد يشمل وحدة متخصصة كان من المقرر أن تنشر صواريخ “توماهوك” كروز في أوروبا، ضمن ترتيبات لتعزيز قدرات حلف الناتو.
وكانت برلين تعوّل على هذه الصواريخ لتعزيز قدرتها على الردع غير النووي، خاصة في ظل نشر روسيا صواريخ “إسكندر” قصيرة المدى في منطقة كالينينغراد، القادرة على استهداف مساحات واسعة من أوروبا.
وحذّر مسؤولون ألمان من تداعيات القرار، حيث قال النائب في البرلمان الألماني متين هاكفردي إن عدم نشر هذه الصواريخ “يخلق ثغرة خطيرة في قدرة الناتو على الردع ضد روسيا”.
وأشار دبلوماسيون إلى أن أوروبا لا تزال تفتقر إلى قدرات الضربات بعيدة المدى، وهو ما يجعلها تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الأمريكي في هذا المجال.
وفي هذا السياق، أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرز أن فرص حصول بلاده على هذه الأنظمة باتت محدودة في الوقت الراهن، في ظل تغير أولويات واشنطن العسكرية.
وتسعى ألمانيا إلى إيجاد بدائل لتعويض هذا النقص، حيث تدرس تحديث صواريخ “تاوروس” لزيادة مداها، إلى جانب تطوير نسخة جديدة تعرف باسم “Taurus Neo”، إلا أن هذه المشاريع لن تكون جاهزة قبل نهاية العقد الحالي.
ورغم ذلك، يرى خبراء أن هذه الأنظمة لن تعادل قدرات صواريخ “توماهوك”، التي يصل مداها إلى نحو 1600 كيلومتر، ما يمنحها تفوقاً كبيراً في العمليات بعيدة المدى.
كما تدرس برلين خيار شراء أنظمة صاروخية أمريكية بشكل مباشر، إلا أن هذا المسار يواجه تحديات، في ظل الضغط على المخزونات الأمريكية بسبب التوترات العسكرية العالمية، بما في ذلك الحرب مع إيران.
وفي المدى الطويل، تعمل الدول الأوروبية على تطوير برنامج مشترك لإنتاج صواريخ بعيدة المدى بقدرات تتجاوز 2000 كيلومتر، بهدف تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، إلا أن هذه المشاريع لن تدخل الخدمة قبل ثلاثينيات القرن الحالي.
ويحذر خبراء من أن هذه الفجوة الدفاعية قد تضعف قدرة أوروبا على مواجهة الضغوط الروسية، حيث إن غياب الردع الفعال قد يفتح الباب أمام محاولات للضغط أو الإكراه السياسي والعسكري.
وتعكس هذه التطورات تحولات أوسع في العلاقة الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الدفاعي، في ظل تراجع الالتزامات الأمريكية التقليدية.
وتجد ألمانيا نفسها أمام خيارات محدودة بين تحديث قدراتها الذاتية، أو البحث عن شراكات جديدة، أو انتظار حلول طويلة الأمد قد لا تكون متاحة في المدى القريب.

