يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصاعداً في غضب خصومه داخل البرلمان الفرنسي مع اقتراب التصويت الحاسم على تعيين رئيس ديوانه السابق إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، في معركة سياسية تحولت إلى اختبار جديد لنفوذ ماكرون داخل مؤسسات الدولة.
وكشفت تقارير سياسية فرنسية أن عدداً من النواب يعتبرون التصويت على تعيين مولان فرصة لمعاقبة ماكرون على سلسلة تعيينات مثيرة للجدل اتُهم خلالها بإغراق المؤسسات الحساسة بحلفائه السياسيين والمقربين منه.
ويخضع ترشيح إيمانويل مولان، الذي شغل سابقاً منصب مدير مكتب وزير الاقتصاد الفرنسي السابق برونو لومير، لتصويت سري داخل لجنتي المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، وسط مخاوف متزايدة من فشل تمرير التعيين بسبب حالة التمرد البرلماني ضد الرئيس الفرنسي.
وقال النائب الوسطي المخضرم شارل دو كورسون إن الأزمة “سياسية وليست مرتبطة بالكفاءة”، في إشارة إلى أن الجدل يتركز حول قرب مولان من ماكرون أكثر من مؤهلاته المهنية.
وأثار ماكرون غضب خصومه خلال الأشهر الماضية بعد تعيين شخصيات محسوبة عليه في مناصب يُفترض أن تكون مستقلة وغير خاضعة للحسابات السياسية، ما دفع معارضيه لاتهامه بالسعي للسيطرة على مؤسسات الدولة قبل نهاية ولايته الرئاسية.
وتفاقمت الانتقادات بعد الاستقالة المفاجئة لمحافظ بنك فرنسا الحالي فرانسوا فيليروي دي غالهو في فبراير الماضي قبل أكثر من عام على انتهاء ولايته، وهو ما فُسر داخل الأوساط السياسية الفرنسية على أنه خطوة مهدت الطريق أمام ماكرون لاختيار خليفة موالٍ له.
ويرى منتقدو الرئيس الفرنسي أن ترشيح مولان يأتي ضمن محاولة استباقية للسيطرة على البنك المركزي الفرنسي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً مع تصاعد المخاوف الأوروبية من تراجع استقلالية البنوك المركزية.
ورغم امتلاك مولان سجلاً اقتصادياً طويلاً وخبرة واسعة داخل وزارة الاقتصاد الفرنسية، إلا أن ذلك لم يخفف حدة الاعتراضات السياسية ضده.
وقال النائب اليساري إريك كوكريل إن مولان قد “يدفع ثمن” غضب النواب بعد تمرير تعيينات سابقة مثيرة للجدل، في إشارة إلى تعيين وزيرة الميزانية السابقة أميلي دي مونشالين في منصب رئيسة هيئة التدقيق المالي رغم ارتباطها المباشر بالميزانيات التي ستقوم بمراجعتها.
كما أعلن نواب من حزب فرنسا الأبية اليساري، وحزب الخضر، وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف معارضتهم الصريحة لترشيح مولان، معتبرين أنه يمثل امتداداً لسياسات ماكرون الاقتصادية التي حمّلها خصومه مسؤولية تفاقم الديون الفرنسية.
وقال النائب اليميني ماتياس رينو إن مولان يعد أحد مهندسي السياسات الاقتصادية التي “أغرقت فرنسا في ديون بتريليونات اليوروهات”، مشيراً إلى قربه من ماكرون وبرونو لومير.
ورغم ذلك، لا تملك أحزاب المعارضة وحدها العدد الكافي لإسقاط الترشيح، إذ يتطلب تعطيل التعيين تصويت ثلاثة أخماس أعضاء اللجنتين ضد المرشح، وهو شرط معقد لكنه يظل ممكناً في ظل سرية التصويت واحتمال تمرد بعض النواب الوسطيين.
ويعيش الحزب الاشتراكي حالة انقسام داخلي بشأن التصويت، حيث أقر بعض أعضائه بأن مولان يمتلك المؤهلات المطلوبة، لكنهم أبدوا قلقاً من تعيين شخصية شديدة القرب من ماكرون في منصب استراتيجي داخل بنك فرنسا.
في المقابل، تبدو المؤسسات المالية الأوروبية أقل قلقاً تجاه ترشيح مولان، إذ نقلت تقارير عن مسؤولين في البنك المركزي الأوروبي اعتبارهم أن تعيينه “خطوة إيجابية”، مع توقعات بأن يدعم سياسة نقدية أكثر مرونة.
لكن داخل فرنسا، تحولت القضية إلى معركة سياسية مفتوحة تعكس حجم الاحتقان ضد ماكرون، مع تحذيرات من أن فشل تمرير التعيين قد يوجه ضربة جديدة لهيبة الرئاسة الفرنسية ويعمق أزمة الثقة بين السلطة التنفيذية والبرلمان.

