Site icon أوروبا بالعربي

ميلوني تعيد فتح الملف النووي وسط انقسام إيطالي ومخاوف من تكرار كوارث الماضي

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

تسعى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى إنهاء حظر استمر أربعة عقود على الطاقة النووية، عبر خطة حكومية تهدف لإعادة إدخال المفاعلات النووية إلى البلاد، مستندة إلى تصاعد أزمة الطاقة الأوروبية وارتفاع أسعار الكهرباء بعد الحرب في أوكرانيا والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة.

وقالت ميلوني إن حكومتها تعتزم إقرار إطار قانوني جديد خلال الصيف الجاري يمهّد لعودة إنتاج الطاقة النووية داخل إيطاليا، معتبرة أن البلاد تحتاج إلى “أدوات جديدة” لحماية أمنها الطاقوي وتقليل تعرضها لصدمات أسواق الوقود الأحفوري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات متزايدة في قطاع الطاقة، بينما تحاول عدة حكومات أوروبية العودة إلى الطاقة النووية باعتبارها بديلاً مستقراً للطاقة التقليدية، رغم استمرار الجدل الواسع حول المخاطر البيئية والأمنية المرتبطة بها.

ويركز المشروع الإيطالي الجديد على ما يعرف بـ”المفاعلات المعيارية الصغيرة”، وهي مفاعلات نووية أصغر حجماً من المحطات التقليدية، تقول الحكومة إنها أقل تكلفة وأسرع في البناء وأكثر أماناً من الأجيال السابقة للمفاعلات النووية.

لكن خبراء ومحللين حذروا من أن المشروع لا يزال بعيداً عن التنفيذ الفعلي، وأن إيطاليا قد تحتاج إلى سنوات طويلة وربما حكومات متعددة قبل الوصول إلى أي إنتاج حقيقي للطاقة النووية.

وقال المحلل المؤيد للطاقة النووية لوكا رومانو إن الخطة الحالية “لا تعيد الطاقة النووية فوراً إلى إيطاليا، بل تضع فقط القواعد القانونية لإمكانية عودتها مستقبلاً”.

وبحسب الخطة الحكومية، يجب أولاً أن يوافق البرلمان الإيطالي على قانون إطار عام، ثم تمتلك الحكومة مهلة تصل إلى 12 شهراً لإعداد المراسيم التنفيذية قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بالمواقع أو التقنيات أو الشركات المشغلة.

وتواجه ميلوني تحدياً سياسياً حساساً بسبب الإرث التاريخي للطاقة النووية في إيطاليا، حيث لا تزال كارثة كارثة تشيرنوبيل حاضرة بقوة في الوعي الشعبي الإيطالي.

وكانت إيطاليا قد أغلقت مفاعلاتها النووية بالكامل بعد استفتاء شعبي عام 1987 أُجري عقب كارثة تشيرنوبيل، ثم فشلت محاولة ثانية لإحياء القطاع النووي بعد كارثة كارثة فوكوشيما في اليابان، عندما صوّت الإيطاليون مجدداً ضد العودة للطاقة النووية عام 2011.

ويرى مراقبون أن أي محاولة لإجراء استفتاء جديد قد تتحول إلى تصويت سياسي ضد الحكومة نفسها أكثر من كونها نقاشاً فنياً حول الطاقة.

وقالت خبيرة استطلاعات الرأي أليساندرا غيسليري إن حملات الاستفتاء في إيطاليا غالباً ما تتحول إلى “تصويت احتجاجي” ضد السلطة القائمة، ما يجعل الملف شديد الحساسية بالنسبة لحكومة ميلوني.

ورغم ذلك، أظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجع المعارضة الشعبية للطاقة النووية مقارنة بالسنوات الماضية، مع ارتفاع نسبة المؤيدين إلى نحو 50 بالمئة، خاصة بين فئات الشباب وقطاع الأعمال الذين يربطون الملف بأزمة الطاقة وتراجع القدرة التنافسية للصناعة الإيطالية.

وساهمت الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الكهرباء الأوروبية في تغيير المزاج العام داخل إيطاليا، حيث تخشى الشركات الصناعية من استمرار الاعتماد على واردات الطاقة الخارجية.

لكن محللين حذروا من أن الدعم الشعبي لا يزال هشاً وقابلاً للانقلاب سريعاً في حال تصاعد المخاوف البيئية أو اندلاع أزمات سياسية جديدة.

كما تواجه الخطة الحكومية معارضة من قوى يسارية وبيئية تعتبر المشروع “دعاية سياسية” أكثر من كونه خطة قابلة للتنفيذ.

وقال النائب الأوروبي داريو تامبورانو إن المحطات النووية المقترحة “لن تنتج أي كهرباء قبل 15 عاماً على الأقل إذا سارت الأمور بشكل مثالي”، مضيفاً أن تقنيات “الجيل الجديد” من الطاقة النووية لا تزال غير ناضجة بالكامل.

ويشير خبراء إلى أن العقبة الكبرى قد لا تكون فقط في البرلمان أو الرأي العام، بل في المعارضة المحلية داخل المدن والمناطق الإيطالية التي قد ترفض إقامة أي منشآت نووية قربها.

وقال رومانو إن “المجتمعات المحلية والطعنات القضائية يمكن أن تؤخر أي مشروع لسنوات طويلة”، لافتاً إلى أن إيطاليا تعاني أساساً من صعوبات مزمنة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى.

وتكشف الأزمة ما يصفه محللون بـ”المفارقة النووية الإيطالية”، إذ تخلت روما عن إنتاج الطاقة النووية محلياً منذ عقود، لكنها لا تزال تعتمد بشكل واسع على الكهرباء المستوردة من فرنسا، والتي يتم إنتاج جزء كبير منها عبر المفاعلات النووية الفرنسية.

ورغم التفاؤل الذي يبديه نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني بشأن إمكانية امتلاك إيطاليا مفاعلات عاملة بحلول عام 2032، يؤكد الخبراء أن إعادة بناء قطاع نووي كامل من الصفر قد تستغرق ما بين 12 و15 عاماً على الأقل.

Exit mobile version