فشلت موسكو في تحويل حوادث الطائرات المسيّرة التي اخترقت أجواء دول البلطيق إلى أزمة سياسية بين أوكرانيا وحلفائها داخل حلف شمال الأطلسي، بعدما أكدت حكومات البلطيق أن روسيا نفسها تقف خلف هذه الفوضى عبر استخدام أنظمة الحرب الإلكترونية لتضليل مسارات الطائرات الأوكرانية.
وقد حاولت موسكو استغلال سلسلة من حوادث الطائرات المسيّرة فوق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا لاتهام هذه الدول بالسماح لكييف باستخدام أجوائها لتنفيذ هجمات ضد روسيا، مهددة بالرد على ذلك.
لكن الحكومات الثلاث ردت ببيان مشترك أكدت فيه رفضها “بشكل قاطع” لما وصفته بحملة التضليل الروسية والاتهامات المفبركة المتعلقة بانتهاكات المجال الجوي.
وقال وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور إن أوكرانيا “لم تطلب يوماً استخدام المجال الجوي الإستوني”، مشدداً على أن روسيا تتحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الحوادث بسبب استخدامها الحرب الإلكترونية للتلاعب بإحداثيات الطائرات المسيّرة.
وأضاف أن موسكو تستخدم تقنيات تشويش وتزييف لإشارات الملاحة، ما يؤدي إلى انحراف الطائرات المسيّرة عن مساراتها الأصلية ودخولها أجواء دول الناتو المجاورة.
كما أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن روسيا هي السبب المباشر وراء هذه التطورات، موضحاً أن الطائرات المسيّرة لا تصل إلى دول البلطيق لأن أوكرانيا ترغب بذلك، بل بسبب “الهجوم الروسي المتهور وغير القانوني واسع النطاق”.
وتبنت المؤسسات الأوروبية الموقف ذاته، حيث وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التهديدات الروسية لدول البلطيق بأنها “غير مقبولة إطلاقاً”، مؤكدة أن أي تهديد لدولة عضو يمثل تهديداً للاتحاد الأوروبي بأكمله.
من جانبه، اتهم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول موسكو بإطلاق “ادعاءات سخيفة وتهديدات خطيرة” ضد دول البلطيق.
وأكد المسؤولون الأوروبيون أن دعم أوكرانيا لم يعد مجرد مسألة تضامن سياسي، بل تحول إلى جزء أساسي من منظومة الأمن الأوروبي.
وقالت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى أوكرانيا كاتارينا ماثيرنوفا إن أوروبا يجب أن تنظر إلى أوكرانيا باعتبارها جزءاً من هيكلها الدفاعي المستقبلي، مضيفة: “تخيلوا لو أنهم ليسوا معنا بل ضدنا”.
فيما شدد وزير الدفاع الإستوني على أن دعم كييف “ليس عملاً خيرياً، بل استثمار مباشر في أمن دول البلطيق وأوروبا”.
ورغم التضامن السياسي، فإن أزمة الطائرات المسيّرة تسببت بحالة استنفار حقيقية داخل المنطقة.
وشهدت دول البلطيق خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة إنذارات جوية وإجراءات عسكرية طارئة، شملت تعليق رحلات جوية وإرسال قوات دفاع جوي إضافية.
وفي إحدى الحوادث، أسقطت مقاتلة رومانية من طراز إف-16 تعمل ضمن مهمة للناتو طائرة مسيّرة فوق إستونيا.
كما علّقت ليتوانيا حركة الطيران مؤقتاً في مطار فيلنيوس وأرسلت مشرعين إلى ملاجئ تحت الأرض عقب إنذار بطائرة مسيّرة.
أما لاتفيا، فشهدت توغلات متكررة لطائرات مسيّرة، إضافة إلى أزمة سياسية داخلية بعد استهداف منشآت نفطية حكومية قرب بحر البلطيق بطائرتين مسيرتين.
ويعتقد أن ظهور الطائرات الأوكرانية فوق دول البلطيق مرتبط بتوسيع كييف ضرباتها بعيدة المدى ضد منشآت النفط والطاقة داخل روسيا، بهدف إضعاف الاقتصاد الروسي وقدرته على تمويل الحرب.
ولمنع هذه الضربات، تستخدم روسيا أنظمة متقدمة للحرب الإلكترونية قادرة على التشويش على إشارات الأقمار الصناعية أو تزييفها، ما يدفع الطائرات المسيّرة إلى الانحراف نحو أراضي الناتو.
وأكد محللون أوكرانيون أن موسكو تسعى من خلال هذه السياسة إلى خلق توترات سياسية بين أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين، خصوصاً دول البلطيق التي تعد من أكثر الدول دعماً لكييف.
وقال الباحث العسكري الأوكراني ميكولا بيليسكوف إن روسيا تحاول “تشويه صورة أوكرانيا أمام أهم حلفائها وخلق نقطة خلاف وانقسام داخل المعسكر الداعم لكييف”.
لكن حتى الآن، يبدو أن هذه المحاولة فشلت، حيث أكدت حكومات البلطيق أنها لا تحمل أوكرانيا مسؤولية تعريض أمنها للخطر بشكل متعمد.
كما أعلنت لاتفيا أنها لن تلجأ إلى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق الناتو الخاصة بالمشاورات الأمنية الطارئة، رغم تكرار حوادث اختراق الأجواء.
وبدلاً من إحداث انقسام، عززت الأزمة حالة التضامن بين أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين، حيث أكدت ألمانيا ودول البلطيق أنها لن تسمح لروسيا باستخدام الحرب النفسية والتضليل الإعلامي لإضعاف الجبهة الأوروبية الداعمة لكييف.
وقال وزير الخارجية الألماني إن “التهديد ضد حليف واحد هو تهديد ضد الحلف بأكمله”، مضيفاً: “لن نخضع للترهيب، نحن نقف معاً”.

