تواجه حكومة جورجيا ميلوني تحدياً سياسياً وشعبياً مع سعيها لإنهاء حظر استمر نحو أربعة عقود على الطاقة النووية في إيطاليا، في خطوة تقول روما إنها ضرورية لمواجهة أزمات الطاقة وتقلبات الأسواق العالمية، بينما يحذر معارضون من عودة ملف يثير حساسية تاريخية لدى الإيطاليين.
وأعلنت ميلوني أن حكومتها ستقر خلال الصيف إطاراً قانونياً يمهد لاستئناف إنتاج الطاقة النووية، مؤكدة أن البلاد تحتاج إلى أدوات جديدة لحماية أمنها الطاقي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وقالت ميلوني أمام مجلس الشيوخ الإيطالي إن الحكومة ستعتمد قانوناً تمكينياً ومراسيم تنفيذية تضع الأساس القانوني لإعادة إدخال الطاقة النووية إلى البلاد.
ويمثل هذا التوجه أكبر تحول في سياسة الطاقة الإيطالية منذ عقود، إذ تركز الحكومة على ما يعرف بالمفاعلات المعيارية الصغيرة، وهي مفاعلات نووية مدمجة يُنظر إليها على أنها أقل تكلفة وأسرع في البناء مقارنة بالمفاعلات التقليدية.
لكن خبراء الطاقة يؤكدون أن المشروع لا يزال بعيداً عن التنفيذ الفعلي، وأن إيطاليا تحتاج إلى سنوات طويلة وربما حكومات متعددة قبل تشغيل أي مفاعل جديد.
وقال المحلل المؤيد للطاقة النووية لوكا رومانو إن القانون المطروح “لا يعيد إدخال الطاقة النووية فعلياً، بل يضع فقط القواعد اللازمة لذلك”.
وبحسب الخطة الحكومية، يجب أولاً أن يوافق البرلمان على القانون الإطاري، ثم تمتلك الحكومة مهلة تصل إلى 12 شهراً لإعداد المراسيم التنفيذية المتعلقة بالمشاريع والمواقع والتقنيات.
ويرى مراقبون أن هذه المرحلة قد تعيد إلى الواجهة الانقسام التاريخي داخل المجتمع الإيطالي بشأن الطاقة النووية، خاصة مع احتمال الدعوة إلى استفتاء شعبي جديد.
وكانت إيطاليا قد أغلقت مفاعلاتها النووية بعد استفتاء عام 1987 الذي أعقب كارثة كارثة تشيرنوبيل، قبل أن تفشل محاولة ثانية لإحياء البرنامج النووي عقب كارثة كارثة فوكوشيما واستفتاء جديد عام 2011.
ويقول خبراء إن الرفض الشعبي للطاقة النووية في إيطاليا لم يكن مرتبطاً فقط بالمخاوف التقنية، بل أيضاً بانعدام الثقة بالمؤسسات الرسمية والمشاريع الكبرى التي تديرها الدولة.
ورغم ذلك، تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى تراجع نسبي في مستوى الرفض الشعبي، مع وصول نسبة المؤيدين للطاقة النووية إلى نحو 50 بالمئة أو أكثر بقليل خلال العامين الماضيين.
ويعزو محللون هذا التحول إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الكهرباء وتصاعد المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة والقدرة التنافسية الصناعية.
لكن خبراء استطلاعات الرأي يحذرون من هشاشة هذا الدعم، مؤكدين أن أي استفتاء جديد قد يتحول إلى تصويت على شعبية الحكومة نفسها وليس على مستقبل الطاقة النووية.
وقالت خبيرة استطلاعات الرأي أليساندرا غيسليري إن الحملات المتعلقة بالطاقة النووية قد تتحول سريعاً إلى معركة سياسية أوسع ضد الحكومة.
ويخشى مؤيدو المشروع من أن يؤدي الانقسام الحزبي وعدم الاستقرار السياسي المزمن في إيطاليا إلى إفشال أي برنامج نووي جديد.
وقال رومانو إن توقيع حكومة على عقود نووية ثم إلغاؤها من قبل الحكومة التالية سيخلق مخاطر مالية هائلة ويقوض ثقة المستثمرين.
كما يواجه المشروع عقبة إضافية تتمثل في المعارضة المحلية، حيث تشتهر إيطاليا بتعقيدات الإجراءات الإدارية وكثرة الطعون القضائية ضد مشاريع البنية التحتية.
وقال محلل الطاقة دافيد تاباريلي إن السلطات المحلية كثيراً ما تعرقل المشاريع الكبرى، مضيفاً أن المفاعلات النووية ستواجه مقاومة أشد بسبب حساسيتها السياسية.
وتكشف الأزمة ما يصفه محللون بـ”المفارقة النووية الإيطالية”، إذ إن البلاد تخلت عن إنتاج الطاقة النووية محلياً لكنها تعتمد منذ سنوات على الكهرباء المستوردة من فرنسا، والتي يُولد جزء كبير منها عبر المفاعلات النووية الفرنسية.
ويقول مؤيدو المشروع إن استئناف الطاقة النووية سيقلل اعتماد إيطاليا على الخارج ويعزز قاعدتها الصناعية، بينما يصف المعارضون الخطة بأنها “دعاية سياسية” غير واقعية اقتصادياً.
وقال عضو البرلمان الأوروبي عن مجموعة اليسار داريو تامبورانو إن هذه المفاعلات “لن تنتج أي كهرباء قبل 15 عاماً على الأقل إذا سار كل شيء بشكل مثالي”.
ورغم حديث نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني عن إمكانية امتلاك إيطاليا مفاعلات عاملة بحلول 2032، يؤكد الخبراء أن هذه الجداول الزمنية متفائلة للغاية بالنسبة لدولة تحاول إعادة بناء قطاع نووي من الصفر.

