Site icon أوروبا بالعربي

 أوروبا تتحرك لكسر هيمنة التكنولوجيا الأمريكية

السيادة التكنولوجية

كشفت تحركات أوروبية جديدة عن تحول واسع داخل الاتحاد الأوروبي باتجاه تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، بعد أن عززت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المخاوف من إمكانية استخدام السيطرة الرقمية لواشنطن كسلاح سياسي واقتصادي ضد الحلفاء.

وبحسب وسائل إعلام أوروبية فقد ساهمت مواقف ترامب الأخيرة في تغيير طبيعة النقاش داخل بروكسل، بعدما نجحت في إقناع أطراف أوروبية كانت ترفض سابقاً فكرة الابتعاد عن شركات التكنولوجيا الأمريكية بأن هذا الاعتماد يمثل نقطة ضعف استراتيجية.

وتستعد المفوضية الأوروبية للكشف عن حزمة جديدة تحت عنوان “السيادة التكنولوجية”، تستهدف تقليل اعتماد القارة على الشركات الأجنبية، خصوصاً في قطاعات حساسة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات والبنية التحتية الرقمية.

وبحسب مسودات أولية، لا تسعى بروكسل إلى قطع العلاقة بالكامل مع عمالقة التكنولوجيا الأمريكية، لكنها تريد بناء قدرة أوروبية مستقلة تمنع تحول الاعتماد الرقمي إلى أداة ضغط جيوسياسي.

وجاء التحول الأوروبي بعد سلسلة مواقف أمريكية أثارت القلق، بينها تهديدات ترامب المتعلقة بغرينلاند، وفرض عقوبات على مسؤولين دوليين، إضافة إلى مخاوف من استعداد واشنطن لاستغلال هيمنة شركاتها التقنية لتحقيق أهداف سياسية.

وقال سيباستيانو توفاليتي، الأمين العام لتحالف الشركات الصغيرة والمتوسطة الرقمية الأوروبية: “أدرك الناس أخيراً أنه لا يوجد شيء يمتلك قوة أكبر من التكنولوجيا”.

وأضاف: “إنها ليست مجرد سلعة، بل هي وسيلة لممارسة القوة والنفوذ، ولذلك يجب أن تمتلك أوروبا ما يناسبها”.

وتعكس الخطة الأوروبية تصاعد القلق من اعتماد المؤسسات الحكومية والشركات في القارة على أنظمة أمريكية تتحكم في قطاعات واسعة، تشمل البريد الإلكتروني وتخزين البيانات ومعالجة المعلومات والخدمات الرقمية الأساسية.

وقبل سنوات قليلة فقط، واجهت دعوات فرنسا لتعزيز البدائل الأوروبية معارضة قوية من دول مثل هولندا والدنمارك، التي اعتبرت تلك الخطوات نوعاً من الحمائية الاقتصادية قد يضر بالمنافسة.

لكن المشهد تغير تدريجياً مع ظهور مؤشرات على أن التفوق التكنولوجي الأمريكي يمكن استخدامه كورقة نفوذ.

وكانت إحدى نقاط التحول خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، عندما أقرت واشنطن قيوداً على تصدير بعض رقائق الذكاء الاصطناعي إلى دول أوروبية قبل مغادرته منصبه.

وقال عضو البرلمان الأوروبي الهولندي بارت غروثويس إن تلك الخطوة كانت بمثابة إنذار واضح بأن أوروبا قد تصبح معتمدة بالكامل على الذكاء الاصطناعي الأمريكي.

إلا أن عودة ترامب زادت المخاوف بصورة أكبر، خصوصاً بعد العقوبات التي فرضتها إدارته على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية عقب إجراءات مرتبطة بإسرائيل.

وكشفت تلك العقوبات مدى ارتباط المؤسسات الأوروبية بالبنية الرقمية الأمريكية، بعدما تأثر وصول مسؤولين إلى خدمات دفع ومنصات أمريكية كبرى.

وقال غروثويس إن ما حدث كان “صدمة كبيرة”، مشيراً إلى أن قرب المحكمة الجنائية الدولية من المؤسسات الأوروبية جعل تأثير الأزمة أكثر وضوحاً.

كما ساهمت تهديدات ترامب بشأن غرينلاند، وهي منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك، في تغيير موقف كوبنهاغن التي كانت من أبرز المدافعين عن إبقاء سوق التكنولوجيا مفتوحاً أمام الشركات الأمريكية.

وقال مسؤول دنماركي إن بلاده ما زالت تؤمن بالسوق المفتوحة، لكنه أقر بأن “العالم تغير”، وأن أزمة غرينلاند سرعت إعادة تقييم المخاطر.

ويرى خبراء أن التحول الأوروبي لم يعد مرتبطاً فقط بحماية الشركات المحلية، بل أصبح جزءاً من حسابات الأمن القومي والنفوذ الدولي.

وقال زاك مايرز، مدير الأبحاث في مركز CERRE، إن مصدر القلق الرئيسي يتمثل في عدم القدرة على توقع قرارات ترامب واستعداده لاستخدام اعتماد أوروبا على الشركات الأمريكية كسلاح.

ورغم هذا التحول، تكشف الخطة الأوروبية حدود التوافق داخل الاتحاد، إذ لا تزال الحكومات مختلفة بشأن مدى الابتعاد المطلوب عن واشنطن.

وبدلاً من حظر الشركات الأمريكية أو استبعادها، تتجه بروكسل إلى دعم الاستثمار الخاص، وتشجيع التقنيات مفتوحة المصدر، وتعزيز تصنيع الرقائق داخل أوروبا.

وتتضمن الخطة مطالبة الحكومات الأوروبية بتقييم نقاط الضعف الرقمية لديها، ومنح المفوضية دوراً أكبر في تحديد مدى موثوقية الدول الخارجية التي توفر تقنيات للقطاعات الحساسة.

وتؤكد بروكسل أن مفهوم السيادة التكنولوجية لا يعني العزلة أو الحمائية، بل بناء قدرة أوروبية أكبر على الاختيار والمنافسة.

ويرى مراقبون أن ترامب، رغم ضغوطه على أوروبا، قد يكون العامل الأكبر الذي دفع الاتحاد الأوروبي أخيراً إلى التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها قضية سيادة ونفوذ، وليست مجرد سوق تجارية.

Exit mobile version