صراع دبلوماسي شرس بين ألمانيا والنمسا على مقعد مجلس الأمن

تشهد المنافسة بين ألمانيا والنمسا على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي مواجهة دبلوماسية غير معتادة بين دولتين أوروبيتين تربطهما علاقات وثيقة، وسط سباق مكثف لحشد الأصوات داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكشفت وسائل إعلام أوروبية أن التنافس بين برلين وفيينا تجاوز حدود الحملات الدبلوماسية التقليدية، مع محاولة كل طرف تقديم نفسه باعتباره الخيار الأفضل لتمثيل أوروبا داخل أقوى أجهزة الأمم المتحدة.
وتتنافس ألمانيا والنمسا والبرتغال على مقعدين غير دائمين في مجلس الأمن لمدة عامين تبدأ في 2027، لكن التوقعات تمنح البرتغال أفضلية بفضل شبكة علاقاتها الواسعة مع الدول الناطقة بالبرتغالية والإسبانية، ما جعل المعركة الحقيقية تدور بين برلين وفيينا على المقعد الثاني.
واستخدم دبلوماسيون نمساويون خطاباً مختلفاً في حملتهم، مقدمين صغر حجم بلادهم وحيادها العسكري كميزة، مقابل النفوذ السياسي والاقتصادي الكبير لألمانيا.
وقال دبلوماسي نمساوي بارز إن رسالة بلاده للدول الأخرى تقوم على التصويت للنمسا “لأننا لسنا الألمان”، في إشارة إلى محاولة فيينا تقديم نفسها كصوت أكثر توازناً للدول الصغيرة والمتوسطة.
وأكد مسؤولون نمساويون أن بلادهم، باعتبارها دولة محايدة وغير عضو في حلف شمال الأطلسي، تستطيع لعب دور خاص داخل مجلس الأمن، خصوصاً في التعامل مع دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية التي تتحفظ أحياناً على نفوذ القوى الكبرى.
في المقابل، كثفت ألمانيا تحركاتها الدبلوماسية لتجنب خسارة قد تتحول إلى ضربة رمزية لطموحاتها الدولية.
وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن ألمانيا، باعتبارها ثالث أكبر اقتصاد في العالم، تريد ممارسة دور أكبر في التعامل مع الأزمات الدولية.
وسافر فاديفول إلى نيويورك لإجراء سلسلة واسعة من اللقاءات، حيث عقد اجتماعات مع عشرات الوزراء والسفراء في محاولة لتأمين الدعم قبل التصويت.
وأكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن حكومته بذلت كل الجهود الممكنة لضمان حصول ألمانيا على المقعد، مشيراً إلى تحركات قام بها بنفسه مع عدد من الوزراء لكسب التأييد.
وتنظر برلين إلى عضوية مجلس الأمن باعتبارها جزءاً من خطتها لتعزيز مكانة ألمانيا العالمية ودعم نفوذها السياسي والاقتصادي، خصوصاً في مرحلة تشهد تحولات كبرى في النظام الدولي.
لكن خسارة التصويت أمام النمسا قد تشكل إحراجاً سياسياً لميرتس، خاصة أن ألمانيا اعتادت خلال العقود الماضية الفوز بمقعد غير دائم في المجلس بشكل دوري.
وتأتي هذه المنافسة في وقت تواجه فيه برلين انتقادات دولية مرتبطة بمواقفها من أزمات الشرق الأوسط، خاصة تعاملها مع الحرب في غزة ولبنان، وهي ملفات قد تؤثر على مواقف بعض الدول خلال التصويت.
وتشير التقارير إلى أن التصويت السري داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة يزيد من حدة المعركة، لأنه يسمح للدول بتغيير مواقفها حتى اللحظة الأخيرة دون إعلان ذلك.
ويرى مراقبون أن المنافسة الحالية تعكس تغير طبيعة الصراعات الدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، حيث لم يعد الحجم الاقتصادي وحده كافياً لضمان النفوذ، في ظل بحث العديد من الدول عن أصوات تعتبرها أكثر استقلالية داخل مجلس الأمن.



