Site icon أوروبا بالعربي

 الذهب يفقد بريق الملاذ الآمن وتقلبات الحرب تغير حسابات المستثمرين والبنوك المركزية

أسعار الذهب

بدأ الذهب يفقد جزءا من صورته التقليدية باعتباره ملاذا آمنا في أوقات الأزمات، بعدما تحولت حركة أسعاره خلال الفترة الأخيرة إلى نمط أقرب للأصول عالية المخاطر رغم الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.

وبعد ارتفاع قياسي خلال العام الماضي، دخل المعدن النفيس مرحلة من التحرك العرضي، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرته على الاحتفاظ بدوره التاريخي كوجهة مفضلة للمستثمرين خلال فترات عدم اليقين.

وعادة ما كان الذهب يستفيد من الحروب والأزمات المالية، إذ يتجه المستثمرون إليه لحماية أموالهم من تقلبات الأسواق، لكن التطورات الأخيرة أظهرت تغيرا واضحا في هذا السلوك.

ومنذ اندلاع الحرب الأخيرة، لم يتحرك الذهب كما اعتادت الأسواق خلال فترات الخوف، بل أصبح أقرب إلى الأصول التي تتأثر بتوقعات المخاطر، حيث ارتفع عندما زادت آمال التوصل إلى حلول سياسية، وتراجع مع تصاعد المخاوف.

وجاء هذا التحول واضحا عندما ارتفعت أسعار الذهب بشكل محدود مع استيعاب الأسواق أنباء وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، بدلا من الارتفاع بفعل استمرار التوترات.

وكانت العقود الآجلة للذهب قد سجلت قفزة كبيرة في منتصف مارس/آذار عندما تجاوزت مستوى 5000 دولار للأونصة، قبل أن تتراجع لاحقا إلى أقل من 4500 دولار.

ويرى محللون أن حركة الأسعار الأخيرة تعكس تغيرا في طريقة تعامل المستثمرين مع الذهب، بعدما شهد المعدن موجة صعود استثنائية مدفوعة بعوامل سياسية واقتصادية.

وخلال السنوات الأخيرة، زادت البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب ضمن توجه أوسع لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية.

وجاء هذا التحول مع تزايد القلق من استخدام واشنطن نفوذها المالي كسلاح، خاصة بعد تجميد الولايات المتحدة وحلفائها أصول النقد الأجنبي الروسية عقب غزو أوكرانيا.

وأثارت تلك الخطوة مخاوف حكومات عديدة من الاعتماد الكبير على الدولار، ما دفعها إلى زيادة حيازتها من الذهب كأصل احتياطي بديل.

وبحسب بيانات البنك المركزي الأوروبي، اشترت البنوك المركزية أكثر من ألف طن من الذهب سنويا بين عامي 2022 و2024، مقارنة بنحو 600 طن أو أقل خلال سنوات سابقة.

لكن وتيرة الشراء بدأت تتراجع خلال عام 2025، حيث انخفضت مجددا إلى أقل من ألف طن سنويا بعد الارتفاع الكبير في الأسعار.

وفي الوقت ذاته، دخل المستثمرون بقوة إلى سوق الذهب، ما ساهم في زيادة الأسعار بشكل كبير، إذ أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن الذهب ارتفع بنحو 60% خلال العام الماضي بعد صعوده بنسبة 30% في العام السابق.

وأدت هذه القفزة السعرية إلى تغيير تركيبة الاحتياطيات العالمية، حيث تجاوز الذهب سندات الخزانة الأمريكية داخل احتياطيات البنوك المركزية.

وبلغت حصة الذهب من الاحتياطيات العالمية 27% بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 20% قبل عام واحد، بينما تراجعت حصة سندات الخزانة الأمريكية إلى 22% بعد أن كانت 25%.

ورغم ذلك، لا تزال الأصول المقومة بالدولار تحتفظ بالمركز الأول عالميا، إذ تشكل نحو 42% من إجمالي الاحتياطيات.

ويشير خبراء إلى أن صعود الذهب في الاحتياطيات لا يعني بالضرورة انهيار هيمنة الدولار، لأن جزءا كبيرا من التحول جاء نتيجة ارتفاع سعر الذهب نفسه وليس فقط بسبب زيادة الكميات التي اشترتها الدول.

وبحسب تقديرات البنك المركزي الأوروبي، فإن احتساب قيمة الاحتياطيات بأسعار الذهب السابقة لعام 2023 كان سيجعل حصة المعدن النفيس عند نحو 16% فقط.

وقال روبن بروكس من معهد بروكينغز إن وضع الذهب كملاذ آمن تعرض لضربة، مشيرا إلى أن المعدن تصرف خلال الحرب مع إيران كأصل عالي التقلب.

وأوضح أن الذهب تراجع عندما زادت المخاوف في الأسواق، ثم عاد للصعود عندما ظهرت مؤشرات على احتمال التوصل إلى اتفاق سلام.

ويرى محللون أن المرحلة الحالية قد لا تعني نهاية دور الذهب التاريخي، لكنها تكشف أن المعدن النفيس أصبح أكثر ارتباطا بحركة المستثمرين والسيولة العالمية، وليس فقط بالخوف من الأزمات.

وتبقى الأسواق في انتظار معرفة ما إذا كان الذهب سيستعيد مكانته التقليدية كملاذ آمن، أم أن التحولات الاقتصادية والجيوسياسية ستفرض قواعد جديدة على أحد أقدم الأصول المالية في العالم.

Exit mobile version