تبحث دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” إقرار حزمة تمويل عسكري جديدة لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو، في محاولة لتعزيز دعم كييف في مواجهة روسيا بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الحرب، وفي ظل تراجع الدور الأمريكي المباشر خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وكشف موقع “بوليتيكو” نقلا عن دبلوماسيين في الحلف أن الدول الأعضاء تناقش حاليا التعهد الجديد، تمهيدا لإعلانه خلال قمة قادة الناتو المقررة في أنقرة الشهر المقبل.
ويأتي المقترح الجديد، الذي قدمته ألمانيا الشهر الماضي، ضمن مساع لتطوير آلية أكثر وضوحا لمتابعة حجم المساهمات العسكرية المقدمة لأوكرانيا، بعد شكاوى داخل الحلف من عدم عدالة توزيع أعباء الدعم بين الدول الأعضاء.
وقال دبلوماسي رفيع في الناتو إن الهدف الأساسي يتمثل في الوصول إلى “التزام قوي ومستدام” يضمن استمرار المساعدة العسكرية لأوكرانيا بطريقة أكثر توازنا بين الحلفاء.
وتسعى دول الناتو إلى الحفاظ على مستوى الدعم لكييف في مرحلة تعتبرها حساسة من مسار الحرب، خصوصا مع تأكيد خبراء عسكريين أن أوكرانيا تحاول استعادة زمام المبادرة أمام القوات الروسية.
وتزايدت أهمية النقاش داخل الحلف بعد التحول في سياسة واشنطن، إذ أوقفت إدارة ترامب معظم المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، واكتفت ببيع الأسلحة لكييف عبر تمويل توفره دول حليفة أخرى.
وفي ظل هذا الواقع، طالبت أوكرانيا الدول الأوروبية بزيادة مساهماتها العسكرية، خصوصا في مجال الدفاع الجوي، الذي بات من أبرز أولويات كييف لمواجهة الهجمات الصاروخية الروسية.
وخلال مؤتمر صحفي في كييف إلى جانب الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أوروبا إلى توفير مزيد من صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، مؤكدا أن عمليات التسليم تواجه تأخيرات بسبب نقص المخزونات.
وترتبط أزمة المخزونات جزئيا بزيادة استخدام أنظمة الدفاع الجوي خلال الحرب في الشرق الأوسط، حيث تشير تقديرات محللين إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الخليجيين استخدموا كميات كبيرة من الذخائر الاعتراضية التي تحتاج إليها أوكرانيا.
وبحسب تقرير صادر عن معهد كيل للأبحاث، قدمت الدول الأوروبية مساعدات عسكرية لكييف بمعدل ملياري يورو شهريا بين يناير وأبريل 2026، مقارنة بنحو 2.4 مليار يورو شهريا خلال الفترة نفسها من عام 2025.
وأشار التقرير إلى عدم تسجيل مساعدات عسكرية أمريكية جديدة خلال الفترة ذاتها، ما عزز الضغوط على الأوروبيين لتحمل جزء أكبر من تكلفة دعم أوكرانيا.
ومن المتوقع أن يكون ملف أوكرانيا أحد المحاور الرئيسية لقمة الناتو المقبلة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو، حيث سيبحث القادة آليات استمرار الدعم وتقاسم الأعباء.
وقال مسؤول في الحلف إن المناقشات مستمرة بشأن كيفية ضمان بقاء دعم الناتو لأوكرانيا قويا، مع تحقيق توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات بين الأعضاء.
من جانبها، أكدت أليونا غيتمانشوك، سفيرة أوكرانيا لدى الناتو، أن أي التزام مالي جديد يجب أن يركز على احتياجات كييف الأساسية، وفي مقدمتها الدفاع الجوي، والاستثمار في إنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى والذخائر.
وقالت إن أوكرانيا، في ظل غياب ضمانات أمنية فعلية، لا تستطيع الاعتماد حاليا إلا على الضمانات المالية التي يقدمها شركاؤها.
وجاءت المبادرة الألمانية بعد رفض الحلفاء مقترحا سابقا للأمين العام مارك روته يقضي بتخصيص 0.25% من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة عضو لدعم أوكرانيا.
وبحسب دبلوماسيين، لا تزال المناقشات بشأن التعهد الجديد في مراحلها الأولى، فيما يمثل اجتماع وزراء دفاع الناتو المرتقب فرصة للتوصل إلى تفاهم سياسي قبل القمة.
ولا يقوم المقترح على أموال جديدة بالكامل، إذ من المتوقع أن يشمل 30 مليار يورو من قرض أوروبي سبق الاتفاق عليه لصالح أوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو على مدى عامين، إلى جانب 40 مليار يورو من الالتزامات الثنائية للدول الحليفة.
ويرى مسؤولون داخل الحلف أن هذه الصيغة تراعي واقع أن معظم أعضاء الناتو هم أيضا أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لا يمكن مطالبتهم بتحمل العبء المالي مرتين.
لكن بعض الدول تخشى أن يؤدي الاعتماد على التمويل الأوروبي المشترك إلى تقليل استعداد الحكومات لتقديم مساعدات ثنائية إضافية.
وأكدت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمير ستينرغارد أن القرض الأوروبي لا يجب أن يتحول إلى بديل عن الدعم المباشر من الدول، مشددة على أن استمرار المساهمات الثنائية يبقى ضروريا لتعزيز قدرة أوكرانيا العسكرية خلال المرحلة المقبلة.

