تشهد أيرلندا الشمالية موجة عنف جديدة ضد المهاجرين أعادت إلى الواجهة ذكريات الاضطرابات الدامية التي مزقت البلاد لعقود، بعدما تحولت احتجاجات قادتها مجموعات متشددة إلى هجمات استهدفت منازل وممتلكات أقليات عرقية في مناطق عدة من بلفاست.
وتركزت أعمال العنف بشكل خاص داخل مناطق الطبقة العاملة البروتستانتية التي لا تزال تشهد نفوذ جماعات شبه عسكرية محظورة، أبرزها “جمعية الدفاع عن أولستر” (UDA) و”قوة المتطوعين في أولستر” (UVF).
وكافحت الشرطة ورجال الإطفاء حتى الساعات الأولى من الصباح لاحتواء مجموعات من المتشددين المناهضين للمهاجرين، بعد مهاجمة منازل ومطاعم ومتاجر تعود لأفراد من أقليات عرقية.
وقالت الشرطة إن عشرات المنازل تعرضت للحرق، إلى جانب سيارات تعود لمهاجرين وحافلة واحدة على الأقل، بينما ركزت السلطات جهودها في البداية على إجلاء الأشخاص المعرضين للخطر بدل الدخول في مواجهات مباشرة واسعة مع المهاجمين.
وفي لندن، تعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بملاحقة المسؤولين عن أعمال العنف، مؤكدًا أن السلطات ستعمل على تحديد هوية المشاركين وتقديمهم للعدالة خلال الفترة المقبلة.
وقال ستارمر إن استهداف الأشخاص بسبب خلفياتهم أمر غير مقبول، مشددًا على أن المتورطين سيواجهون “أقصى قوة للقانون”.
واندلعت موجة الغضب بعد هجوم بسكين نُسب إلى طالب لجوء سوداني في أحد شوارع شمال بلفاست، وهي حادثة جرى تصويرها ونشرها بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا عبر حسابات مرتبطة بمحرضين من اليمين المتطرف.
ومثل المتهم هادي العديد، البالغ من العمر 30 عامًا، أمام محكمة في بلفاست بتهمة محاولة قتل رجل محلي يدعى ستيفن أوجيلفي، الذي فقد إحدى عينيه نتيجة الهجوم.
لكن عائلة الضحية دعت إلى عدم تحويل الحادث إلى حملة ضد المهاجرين، مؤكدة أن كثيرًا منهم يقدمون مساهمات مهمة للمجتمع، خاصة في قطاعات الصحة والخدمات.
وقالت العائلة إنها لا تريد استخدام المأساة لنشر الانقسام أو تأجيج الكراهية بين السكان.
وتعيد الأحداث الأخيرة إلى الأذهان موجات مشابهة شهدتها أيرلندا الشمالية خلال الأعوام الماضية، منها أعمال عنف معادية للمسلمين في أغسطس/آب 2024 دفعت الشرطة إلى طلب تعزيزات من اسكتلندا، إضافة إلى اضطرابات أخرى عام 2025 بعد اتهام شابين رومانيين في قضية اعتداء.
وفي تلك الحالات، لعبت منصات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تنظيم الاحتجاجات وتحويلها إلى هجمات على منازل ومتاجر مهاجرين.
ويرى محللون أن التحريض الإلكتروني الخارجي يمكن أن يزيد سرعة انتشار العنف، لكنه يجد أرضًا خصبة بسبب الانقسامات التاريخية العميقة في بلفاست، خصوصًا في المناطق التي شهدت سابقًا نشاط الجماعات شبه العسكرية.
وتعود جذور هذه الانقسامات إلى عقود من الصراع بين الجماعات البروتستانتية الموالية لبريطانيا والقوميين الكاثوليك المؤيدين للوحدة مع أيرلندا.
وخلال فترة “الاضطرابات” التي استمرت نحو ثلاثة عقود قبل اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، شهدت أيرلندا الشمالية أعمال قتل وتفجيرات وصراعات طائفية خلفت آلاف الضحايا.
ورغم انتهاء العنف السياسي الواسع، تحولت بعض الجماعات شبه العسكرية السابقة إلى شبكات إجرامية لا تزال تحتفظ بنفوذ داخل بعض المجتمعات المحلية.
وكانت هذه الجماعات قد بدأت تاريخيًا كتنظيمات تهدف إلى منع انتقال الكاثوليك إلى المناطق البروتستانتية، بينما أصبح المهاجرون القادمون من آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية اليوم أهدافًا جديدة لبعض المتشددين.
ورغم زيادة الهجرة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الأقليات العرقية تمثل نسبة صغيرة من سكان أيرلندا الشمالية مقارنة ببقية مناطق المملكة المتحدة.
ويحذر مراقبون من أن استهداف المهاجرين يعيد إنتاج أنماط قديمة من العنف، عندما أدت هجمات عام 1969 إلى إحراق منازل ونزوح آلاف السكان وبناء خطوط فصل طائفية لا تزال قائمة حتى اليوم.
وقال عضو المجلس المحلي بول دوهرتي إن مشاهد العنف الأخيرة أعادت إلى ذاكرة السكان أحداثًا مؤلمة من الماضي، محذرًا من السماح بتكرار “أحلك فصول” تاريخ أيرلندا الشمالية.
وتواجه السلطات البريطانية الآن اختبارًا جديدًا يتمثل في منع تحول التوترات الاجتماعية والهجرة إلى وقود لصراعات قديمة لم تختف آثارها بالكامل رغم مرور عقود على اتفاق السلام.

