Site icon أوروبا بالعربي

انهيار مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي يربك خطط الدفاع الأوروبية

انهيار مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي يربك خطط الدفاع الأوروبية

دخلت خطط أوروبا لبناء مقاتلة عسكرية من الجيل الجديد مرحلة من الغموض بعد تعثر مشروع “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS) الذي تقدر قيمته بنحو 100 مليار يورو، وسط خلافات صناعية وسياسية دفعت الدول المشاركة إلى البحث عن بدائل صعبة.

وكان المشروع الأوروبي، الذي جمع فرنسا وألمانيا وإسبانيا مع مشاركة بلجيكا بصفة مراقب، يمثل خلال نحو عقد من الزمن أحد أكبر رهانات أوروبا لتعزيز استقلالها الدفاعي وبناء منظومة جوية متقدمة قادرة على منافسة أحدث التقنيات العسكرية العالمية.

ولم يكن الهدف من البرنامج إنتاج مقاتلة جديدة فقط، بل إنشاء نظام قتالي متكامل يربط الطائرات المأهولة بالمسيّرات والأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار ضمن شبكة عسكرية متطورة.

لكن توقف المفاوضات بعد خلافات حادة بين شركة “داسو للطيران” الفرنسية وشركة “إيرباص للدفاع والفضاء” الألمانية دفع العواصم الأوروبية إلى مواجهة سؤال صعب بشأن مستقبل قوتها الجوية.

وانتقد رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر فشل المشروع، واصفًا ما حدث بأنه “غباء محض”، محذرًا من أن أوروبا تخاطر بفقدان دورها في مجال حاسم من مجالات الدفاع الجوي.

وتواجه الدول المشاركة ثلاثة مسارات رئيسية بعد انهيار البرنامج، أولها الاتجاه نحو مشاريع وطنية منفصلة لتطوير مقاتلات خاصة، وهو خيار بدأت الشركات الألمانية بالدفع نحوه، بينما تؤكد فرنسا منذ سنوات قدرتها على تطوير طائرتها بشكل مستقل.

لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة بسبب احتمال تكرار الجهود بين الدول الأوروبية وارتفاع التكاليف، في وقت تواجه فيه الحكومات ضغوطًا مالية متزايدة.

وفي ألمانيا، اقترحت شركة إيرباص وعدد من شركات الطيران والدفاع إنشاء تحالف جديد باسم “فريق الجيل السادس”، بهدف تطوير مقاتلة أوروبية مستقبلية والحفاظ على الخبرات الصناعية الألمانية.

وحذرت الشركات من أن توقف العمل بعد انهيار FCAS قد يؤدي إلى خسارة المعرفة التقنية والمهارات والقدرة التنافسية الدولية في قطاع الطيران العسكري.

وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إن برلين تبحث بالفعل منذ أشهر خيارات مختلفة بشأن الطائرة المستقبلية، مشيرًا إلى أن القرار النهائي لم يُحسم بعد.

وكان أحد أسباب الخلاف بين باريس وبرلين اختلاف الرؤية بشأن طبيعة المقاتلة المطلوبة، إذ أرادت فرنسا طائرة أخف يمكن تشغيلها على حاملات الطائرات، بينما فضلت ألمانيا مقاتلة أثقل مخصصة لتحقيق التفوق الجوي.

ويرى خبراء أن الخلاف يعكس محاولة فرنسا البحث عن خليفة لمقاتلة “رافال”، مقابل رغبة ألمانيا في تطوير بديل مستقبلي لمقاتلات “يوروفايتر”.

أما الخيار الثاني أمام الدول الأوروبية فيتمثل في زيادة الاعتماد على المقاتلات الأمريكية، خصوصًا طائرات F-35 التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن.

وتدرس ألمانيا توسيع أسطولها المخطط من هذه الطائرات، بينما تستخدمها بلجيكا بالفعل، إلا أن فرنسا وإسبانيا لا تعتمدان عليها.

ورغم أن F-35 توفر حلًا سريعًا لأنها موجودة بالفعل وتتمتع بقدرات متقدمة، فإن زيادة شرائها تثير مخاوف بشأن تعميق اعتماد أوروبا العسكري على الولايات المتحدة في وقت تؤكد فيه العواصم الأوروبية حاجتها إلى استقلال استراتيجي أكبر.

كما تتابع أوروبا تطور المقاتلة الأمريكية المستقبلية F-47 التي تعمل عليها شركة بوينغ، لكن تصريحات أمريكية بشأن احتمال بيع نسخ أقل قدرة للحلفاء قد تقلل جاذبية هذا الخيار.

ويتمثل المسار الثالث في البحث عن شراكات جديدة، خاصة عبر الانضمام إلى برنامج القتال الجوي العالمي GCAP الذي تقوده بريطانيا وإيطاليا واليابان.

ويرى خبراء أن دخول ألمانيا إلى هذا البرنامج قد يعيد تشكيل التعاون الأوروبي القديم الذي أنتج سابقًا مقاتلات “تورنادو” و”يوروفايتر”، ويمنحه وزنًا صناعيًا وسياسيًا أكبر.

كما أجرت ألمانيا محادثات بشأن تعاون محتمل مع السويد، التي تمتلك خبرة في تصنيع مقاتلات “ساب غريبن” وتدرس تطوير جيل أكثر تقدمًا.

في المقابل، تواجه إسبانيا وضعًا أكثر تعقيدًا، إذ لا تمتلك القدرة على تطوير مقاتلة مستقلة، لكنها تسعى للحفاظ على دور صناعي ضمن أي مشروع أوروبي جديد.

وتظهر كذلك مشاريع أخرى من الجيل السادس خارج الاتحاد الأوروبي، بينها مشروع المقاتلة التركية “قآن” التي نفذت أول رحلة لها عام 2024، رغم أن أنقرة تطورها حاليًا بصورة مستقلة بعد تعثر محاولات التعاون مع شركات أوروبية.

ويكشف انهيار FCAS حجم التحدي الذي تواجهه أوروبا بين طموح بناء استقلال عسكري حقيقي وبين واقع الانقسامات الصناعية والمصالح الوطنية المتضاربة، ما يجعل مستقبل المقاتلة الأوروبية القادمة مفتوحًا على خيارات مكلفة ومعقدة.

Exit mobile version