Site icon أوروبا بالعربي

أوروبا تتحرك لبناء قوة عسكرية مستقلة وتقليص الاعتماد على أمريكا

أوروبا تتحرك لبناء قوة عسكرية مستقلة وتقليص الاعتماد على أمريكا

تبحث دول الاتحاد الأوروبي إطلاق مبادرة دفاعية جديدة لتطوير قدرات عسكرية مشتركة وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، وسط مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

وكشفت صحيفة “بوليتيكو” أن مفوض الدفاع والفضاء في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس يستكشف خطة جديدة تتيح للدول الأوروبية تمويل قدرات عسكرية استراتيجية بصورة مشتركة، خصوصًا المجالات التي تعتمد فيها أوروبا حاليًا بشكل كبير على واشنطن.

وتشمل القدرات المستهدفة أنظمة التزود بالوقود جوًا، والقيادة والسيطرة العسكرية، والاستخبارات الفضائية، والاستطلاع عبر الأقمار الصناعية، والخدمات اللوجستية المتقدمة في ساحات القتال.

وتوفر الولايات المتحدة حاليًا الجزء الأكبر من هذه القدرات داخل حلف الناتو، ما يجعل الجيوش الأوروبية مرتبطة بدرجة كبيرة بالدعم الأمريكي لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة.

وبحسب مسؤولين أوروبيين، فإن الخطة الجديدة تقوم على مشاركة الدول الراغبة بشكل طوعي عبر تخصيص جزء من الزيادات الأخيرة في ميزانياتها الدفاعية لتمويل مشاريع عسكرية مشتركة.

ويمكن للاتحاد الأوروبي، وفق التصور المطروح، دعم هذه الدول في عمليات شراء المعدات وتنسيق المشاريع الصناعية الدفاعية.

وقال كوبيليوس إن الدول الأوروبية بحاجة إلى تخصيص جزء من ميزانياتها الوطنية لاستبدال القدرات التي توفرها الولايات المتحدة حاليًا، مقدرًا أن تكلفة تحقيق هذا الهدف قد تصل إلى نحو 500 مليار يورو.

وأضاف أنه من الواضح أن ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل وحدها لن تكون قادرة على تغطية هذه الاحتياجات الضخمة.

وجاء التحرك الأوروبي بعد أن قدمت واشنطن لحلفائها في الناتو قائمة بالأصول العسكرية التي لم تعد ترغب في توفيرها للحلف، بينها طائرات استطلاع مسيرة بعيدة المدى وطائرات التزود بالوقود جوًا من طراز KC-135.

وزادت هذه الخطوة المخاوف الأوروبية بشأن مستقبل الاعتماد على القدرات الأمريكية، خصوصًا في ظل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتساؤلاته المتكررة حول التزامات واشنطن الدفاعية تجاه أوروبا.

وقال كوبيليوس إن أوروبا بحاجة إلى إيجاد طرق أكثر فاعلية لإنشاء مشاريع دفاعية مشتركة، خاصة في مجال القدرات الاستراتيجية التي تعتمد فيها بشكل كبير على الموارد الأمريكية.

وبدأت مناقشة المبادرة داخل المؤسسات الأوروبية، حيث طرح كوبيليوس الفكرة خلال اجتماع مع مجموعة من أعضاء البرلمان الأوروبي الداعمين لتعزيز التكامل الدفاعي داخل الاتحاد.

ولا تزال الخطة في مراحلها الأولى، ولم يتضح بعد ما إذا كانت ستتحول إلى مقترح قانوني رسمي أو ستبقى إطارًا لتشجيع التعاون بين الدول.

وقال مسؤول أوروبي إن هناك توافقًا متزايدًا على أن القدرات الاستراتيجية تمثل أولوية، وإن النقاشات ستتواصل لتحديد آليات العمل المشترك.

لكن المبادرة تواجه عقبات كبيرة، أبرزها تحفظ بعض العواصم الأوروبية على منح بروكسل دورًا أكبر في قرارات شراء الأسلحة، إضافة إلى احتمال اعتراض واشنطن على خسارة جزء من سوق السلاح الأوروبية.

كما تواجه أوروبا تحديًا زمنيًا يتعلق بسرعة تطوير القدرات الجديدة في ظل الحاجة إلى تعزيز الردع العسكري أمام روسيا.

ودعا المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى إطلاق برنامج شراء سريع لتوفير بعض القدرات المطلوبة على المدى القصير، بالتوازي مع استراتيجية صناعية طويلة الأمد لتطوير تقنيات عسكرية أكثر تقدمًا.

وحذر المركز من أنه إذا لم تبدأ أوروبا الاستثمار الآن، فقد تبقى معتمدة على الأنظمة الأمريكية حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.

لكن بناء استقلال دفاعي أوروبي سيكون مكلفًا للغاية، خاصة في ظل ارتفاع الديون لدى عدة دول وتأثير أزمات الطاقة والتوترات الدولية على الاقتصادات الأوروبية.

وقدّر معهد كيل أن استبدال القدرات الأمريكية في مجالات القيادة والسيطرة، والأقمار الصناعية، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحرب الإلكترونية، والنقل الجوي الاستراتيجي، سيكلف أوروبا ما لا يقل عن 200 مليار يورو، وقد يستغرق عقدًا أو أكثر.

في المقابل، تشير تقديرات أخرى إلى أن استبدال جميع القدرات العسكرية الأمريكية غير النووية في أوروبا قد تصل كلفته إلى نحو تريليون دولار.

وقال عضو البرلمان الأوروبي الهولندي رينير فان لانشوت إن أي دولة أوروبية لا تستطيع بمفردها تحمل تكاليف بناء هذه القدرات، معتبرًا أن المشاريع المشتركة هي الطريق الوحيد نحو دفاع أوروبي أكثر استقلالًا.

وتكشف هذه التحركات عن تحول استراتيجي داخل أوروبا، حيث لم يعد النقاش يقتصر على زيادة الإنفاق العسكري، بل أصبح مرتبطًا بالسؤال الأكبر حول قدرة القارة على حماية نفسها دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

Exit mobile version