يستعد قادة الاتحاد الأوروبي لخوض واحدة من أصعب المواجهات الداخلية خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد الخلافات بشأن ميزانية التكتل المستقبلية وكيفية مواجهة الصعود الاقتصادي الصيني، وسط مخاوف متزايدة من تراجع قدرة أوروبا على المنافسة عالمياً.
وسيشهد اجتماع المجلس الأوروبي هذا الأسبوع نقاشين رئيسيين؛ الأول يتعلق بطريقة مواجهة التحدي الصيني المتنامي، والثاني بشأن الجهة التي ستتحمل تكلفة التحول الاقتصادي والأمني الذي تحتاجه أوروبا خلال السنوات المقبلة.
وقالت وسائل إعلام أوروبية إن الملفين يعكسان الأزمة الأوسع التي تواجه الاتحاد الأوروبي، إذ يحاول التكتل الحفاظ على موقعه في النظام العالمي في ظل منافسة شرسة من الصين والولايات المتحدة، بالتزامن مع صعود التيارات الشعبوية داخل أوروبا وتراجع مساحة المناورة السياسية أمام الحكومات.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن القادة الأوروبيين يجتمعون في مرحلة تشهد “تشرذماً جيوسياسياً وإعادة تشكيل اقتصادي وتسارعاً تكنولوجياً”، في إشارة إلى حجم التحديات التي تواجه القارة.
وبينما ركزت قمة مجموعة السبع الأخيرة على الملفات العالمية الساخنة، من إيران إلى أوكرانيا والعقوبات ضد روسيا، فإن اجتماع بروكسل يمنح قادة الاتحاد فرصة لمراجعة موقع أوروبا الاقتصادي والاستراتيجي.
وتبرز قضية الميزانية الأوروبية المقبلة، الممتدة لسبع سنوات بداية من عام 2028، كأحد أكبر الاختبارات السياسية، إذ تحتاج الدول الـ27 إلى اتفاق معقد بشأن أولويات الإنفاق قبل الدخول في مفاوضات مع البرلمان الأوروبي.
وتنقسم دول الاتحاد الأوروبي حالياً إلى معسكرين رئيسيين.
المعسكر الأول، الذي يضم دول شمال وغرب أوروبا مثل ألمانيا والسويد وهولندا والنمسا، يدعو إلى إعادة هيكلة الإنفاق الأوروبي وتقليص الاعتماد على النماذج القديمة.
وترى هذه الدول أن صعود الصين، والحرب الروسية في أوكرانيا، ونهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائم على المصالح المباشرة، كلها عوامل تفرض على أوروبا تغيير طريقة إنفاق أموالها.
وتعتبر هذه الحكومات أن الميزانية الأوروبية يجب أن تركز بشكل أكبر على الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والابتكار والصناعات الاستراتيجية، بدلاً من استمرار تخصيص الجزء الأكبر من الأموال للدعم الزراعي والتنمية الإقليمية.
وقال دبلوماسي أوروبي للمجلة إن الاتحاد بحاجة إلى ميزانية قادرة على التعامل مع “أولويات جديدة”، بدلاً من البقاء مرتبطاً بأطر قديمة لم تعد تناسب الواقع الحالي.
ويخشى هذا المعسكر أن تفقد أوروبا سباق المنافسة مع الصين والولايات المتحدة، خاصة أن بكين تستخدم قوة الدولة لدعم صناعاتها، بينما تجذب واشنطن الاستثمارات عبر سياسات صناعية وحوافز اقتصادية ضخمة.
وتنظر العواصم الأوروبية بقلق إلى توسع الصين في قطاعات كانت أوروبا تتصدرها سابقاً، مثل صناعة السيارات والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الشركات الصينية باتت تمثل تهديداً مباشراً للصناعات الأوروبية، خصوصاً مع قدرتها على الإنتاج بكلفة أقل وبمساندة حكومية واسعة.
كما زادت السياسات الأمريكية الجديدة من الضغوط على أوروبا، بعدما بدأت واشنطن بجذب الشركات والاستثمارات بعيداً عن القارة الأوروبية.
في المقابل، تقود دول جنوب وشرق أوروبا معسكراً آخر يرفض التخلي عن أولويات الإنفاق التقليدية، خصوصاً دعم الزراعة وتمويل المناطق الأقل نمواً.
وتؤكد هذه الدول أن الأموال المخصصة للتنمية الإقليمية يمكن استخدامها أيضاً لدعم أهداف جديدة مثل الدفاع والإسكان والقدرة التنافسية.
وقال وزير الشؤون الأوروبية الإيطالي توماسو فوتي إن السياسات التقليدية “ليست محمية بما يكفي”، معبراً عن مخاوف دول تعتمد بشكل كبير على التمويل الأوروبي.
وتشير أحدث المقترحات إلى انخفاض حصة الإنفاق الزراعي والإقليمي من نحو 60% في الميزانية الحالية إلى حوالي 41.4% فقط في الخطة الجديدة.
وحذر مسؤولون أوروبيون من خطورة الفشل في التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية الجديدة قبل نهاية العام، معتبرين أن دخول عام 2028 من دون خطة مالية واضحة سيكون أمراً غير مقبول في ظل الأزمات الحالية.
وقال دبلوماسي أوروبي إن بعض الحكومات ما زالت تتعامل مع الوضع “وكأن العالم لم يتغير منذ عام 2008″، مضيفاً أن الأولوية اليوم يجب أن تكون للاستثمار في الدفاع والأمن والمناطق الحدودية.
وتتصاعد حالة الإحباط داخل الاتحاد بسبب الفجوة بين الخطابات السياسية التي تدعو إلى استقلال أوروبي أكبر، وبين استمرار الخلافات حول تمويل هذه الطموحات.

