كشفت مراجعة داخلية في البرلمان الأوروبي عن مخالفات مالية داخل جماعة “الوطنيون من أجل أوروبا” اليمينية المتطرفة، بعدما خلصت إلى إساءة استخدام مئات آلاف اليوروهات من أموال الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024، في أحدث ملف يثير الجدل بشأن تمويل الكتل السياسية داخل المؤسسات الأوروبية.
وبحسب تقرير سري اطلعت عليه صحيفة “بوليتيكو”، قرر البرلمان الأوروبي مطالبة الجماعة بإعادة 276 ألفًا و967 يورو من التمويل الأوروبي، بعدما خلصت إدارة الشؤون المالية إلى أن هذه الأموال استُخدمت بطرق تخالف قواعد الإنفاق المعتمدة.
وأظهرت نتائج التدقيق أن المخالفات شملت تقديم تبرعات غير مسموح بها، وخرق قواعد المشتريات، ومنح عقود عبر إجراءات اعتبرها المدققون غير منتظمة، خصوصًا في عقود خدمات مرتبطة بحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا.
وتضم جماعة “الوطنيون من أجل أوروبا” عددًا من أبرز أحزاب اليمين القومي في القارة، بينها حزب التجمع الوطني الفرنسي، وحزب الحرية النمساوي، وحزب فيدس المجري، وحزب فوكس الإسباني، وحزب المصالح الفلمنكية البلجيكي، وحزب “أنو 2011” التشيكي.
ويأتي الكشف الجديد بعد تحقيق سابق خلص إلى أن مجموعة “الهوية والديمقراطية”، التي تم حلها لاحقًا، أساءت استخدام نحو 4.3 مليون يورو من أموال البرلمان الأوروبي خلال الفترة بين عامي 2019 و2024.
وكانت مجموعة “الهوية والديمقراطية” قد استمرت في العمل حتى انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو 2024، قبل أن يعيد عدد من أعضائها وموظفيها تنظيم صفوفهم داخل جماعة “الوطنيون من أجل أوروبا”.
ووفق التقرير الجديد، اكتشف المسؤولون الأوروبيون مخالفات في حسابات الجماعة خلال الفترة الممتدة من 16 يوليو حتى 31 ديسمبر 2024.
وأشار التدقيق إلى أن الجماعة قدمت تبرعات بقيمة 54 ألفًا و620 يورو إلى منظمات محلية وإقليمية، رغم أن قواعد البرلمان الأوروبي تمنع استخدام التمويل المخصص للكتل السياسية في دعم أنشطة لا ترتبط مباشرة بالعمل السياسي على مستوى الاتحاد الأوروبي.
وشملت الجهات التي حصلت على تمويل جمعيات تروج للتراث والتقاليد الفرنسية والفلمنكية، ومنظمة لكرة القدم داخل الصالات في مارتينيك، ونادي تنس في غوادلوب، ومجموعات رياضية وثقافية وصحية أخرى.
كما كشف التقرير وجود مخالفات في ثلاثة عقود عامة بلغت قيمتها الإجمالية 197 ألفًا و258 يورو، بينها مبلغ 146 ألفًا و444 يورو حصلت عليه شركة اتصالات تدعى “إي-بوليتيك”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية سابقًا إنها مرتبطة بمسؤول سابق في حزب التجمع الوطني وقدمت خدمات للحزب لسنوات.
وذكر المدققون أن هناك “مخالفات تتعلق بتوقيع العقود وملفات الدفع”، معتبرين أن ذلك يثير “مخاوف جدية بشأن سلامة الإجراءات المتبعة واحترام مبادئ الإدارة المالية السليمة”.
ورصد التدقيق أيضًا إنفاق 25 ألفًا و200 يورو على إعلانات في مجلة سياسية يديرها عضو سابق في حزب الحرية النمساوي، واعتبر البرلمان الأوروبي أن هذا الإنفاق غير نظامي، لأنه قد يشكل دعمًا ماليًا غير مباشر للمجلة.
وبحسب مذكرة أعدها الأمين العام للبرلمان الأوروبي أليساندرو كيوشيتي، سيتم استرداد الأموال محل الخلاف من مخصصات جماعة “الوطنيون” لعام 2025.
وكانت الجماعة قد أنشأت احتياطيًا ماليًا بعد كشف مخالفات الإنفاق السابقة المرتبطة بمجموعة “الهوية والديمقراطية”.
وتطالب لجنة الرقابة على الميزانية داخل البرلمان الأوروبي باسترداد نحو 4 ملايين يورو إضافية، إلا أن جماعة “الوطنيون” ترفض تحمل المسؤولية، مؤكدة أنها كيان منفصل قانونيًا عن المجموعة السابقة، ولوّحت باللجوء إلى القضاء للطعن في القرار.
وفي أبريل الماضي، طلبت منظمة الشفافية الدولية من هيئة مكافحة الاحتيال التابعة للاتحاد الأوروبي فتح تحقيق بشأن مسؤولين سابقين في مجموعة “الهوية والديمقراطية”، بينهم فيليب كلايس الذي يشغل حاليًا منصب الأمين العام لجماعة “الوطنيون”.
وقال النائب الأوروبي عن حزب الخضر دانيال فرويند إن القضية لا تتعلق بخطأ إداري بسيط، بل بما وصفه بأنه “نمط متكرر من سوء استخدام أموال دافعي الضرائب”.
وأضاف أن إعادة الأموال وحدها ليست كافية، مطالبًا مكتب المدعي العام الأوروبي بفتح تحقيق لتحديد كيفية إنفاق الأموال والمسؤولين عن هذه المخالفات.
وتزيد هذه القضية الضغوط على تيارات اليمين المتطرف داخل البرلمان الأوروبي، في وقت تحاول فيه تعزيز حضورها السياسي بعد المكاسب التي حققتها في الانتخابات الأوروبية الأخيرة.

