Site icon أوروبا بالعربي

اليمين القومي الأوروبي يعيد حساباته مع تراجع شعبية الرئيس الأمريكي

بدأ عدد من قادة اليمين القومي والشعبوي في أوروبا إعادة تقييم علاقتهم بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما تحول التقارب معه من مكسب سياسي إلى عبء انتخابي محتمل، مع تراجع صورته داخل الاتحاد الأوروبي بسبب سياساته الخارجية والاقتصادية.

وعلى مدى سنوات، نظر قادة الأحزاب القومية الأوروبية إلى دعم ترامب باعتباره دليلاً على صعود تيار سياسي عالمي جديد يتحدى النخب التقليدية في الغرب، لكن هذا المشهد بدأ يتغير مع اقتراب انتخابات حاسمة في عدد من الدول الأوروبية.

وبحسب مراقبين، فإن الحروب التجارية التي خاضها ترامب، وتهديداته بشأن غرينلاند، والحرب مع إيران التي ساهمت في رفع أسعار الطاقة، أدت إلى تآكل شعبيته في أوروبا، وجعلت دعمه العلني لبعض الحلفاء السياسيين مصدر قلق بدلًا من كونه عامل قوة.

وباتت تدخلات ترامب تُنظر إليها داخل بعض الأحزاب القومية الأوروبية على أنها “قنبلة سياسية” قد تنفر الناخبين المعتدلين، وتخلق انقسامات داخل قواعد اليمين نفسه، وتمنح الخصوم فرصة لمهاجمة هذه الأحزاب واتهامها بالارتباط بسياسات واشنطن.

وتعد رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني واحدة من أبرز الأمثلة على هذا التحول، بعدما كانت تُصنف لفترة طويلة باعتبارها أقرب حلفاء ترامب داخل أوروبا.

وتوترت العلاقة بين الطرفين بعد تصريحات للرئيس الأمريكي قال فيها إن ميلوني “توسلت” إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع، قبل أن ترد رئيسة الوزراء الإيطالية برسالة علنية تعكس تغير المزاج السياسي.

وقالت ميلوني ردًا على حديث ترامب عن تراجع شعبيتها داخل إيطاليا: “من المؤكد أن صداقتي معك لم تساعدها”.

وأضافت: “على أي حال، شعبيتي ليست شأنك. أنصحك بالتركيز على شعبيتك أنت”.

وفي فرنسا، بدأ جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني اليميني والمرشح البارز في المشهد السياسي الفرنسي، اتباع نهج أكثر تحفظًا تجاه الرئيس الأمريكي، ورفض ربط مشروعه السياسي بدعم ترامب، واصفًا سلوك الرئيس الأمريكي بأنه “متقلب”.

ويرى محللون أن تأييد ترامب أصبح يمثل “هدية مسمومة” لعدد من حلفائه الأوروبيين السابقين.

وقال جان إيف دورماجين، رئيس معهد استطلاعات الرأي Cluster17، إن ترامب أصبح مشكلة حقيقية لقادة اليمين الأوروبي، موضحًا أن جزءًا متزايدًا من ناخبيهم بات ينظر إليه باعتباره مصدر خطر سياسي.

وأظهرت استطلاعات رأي حديثة أن الناخبين اليمينيين في أوروبا ما زالوا أكثر تعاطفًا مع ترامب مقارنة بغيرهم، لكن نسبة محدودة فقط تعتبره “صديقًا لأوروبا”.

وبحسب استطلاع شمل عدة دول أوروبية، اعتبر 18% فقط من ناخبي التجمع الوطني الفرنسي و23% من ناخبي حزب “إخوة إيطاليا” بزعامة ميلوني و25% من مؤيدي حزب البديل من أجل ألمانيا أن ترامب يمثل حليفًا للقارة.

وفي بريطانيا، أصبح ارتباط زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج بترامب نقطة ضعف بين بعض الناخبين المترددين، بينما يواجه اليمين الفرنسي تحديًا مشابهًا في محاولة جذب ناخبي يمين الوسط الذين لا ينظرون بإيجابية إلى الرئيس الأمريكي.

ويشكل هذا التحول إحراجًا لإدارة ترامب، لأن الشخصيات التي بدأت الابتعاد عنه هي نفسها التي حاول البيت الأبيض تعزيز العلاقات معها خلال السنوات الأخيرة.

وكانت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية قد أشادت سابقًا بـ”النفوذ المتزايد للأحزاب الوطنية الأوروبية”، كما كثفت واشنطن اتصالاتها مع قوى اليمين القومي في القارة.

لكن الحرب مع إيران والخلافات الاقتصادية والسياسية سرعت تراجع الحماس الأوروبي تجاه ترامب.

وفي ألمانيا، أدت الأزمة الإيرانية إلى تعميق فجوة الثقة بين ترامب وحزب البديل من أجل ألمانيا، الذي بدأ بعض قادته بالفعل تقليل مظاهر التقارب العلني مع واشنطن قبل انتخابات مهمة.

أما في إيطاليا، فقد انتقلت علاقة ترامب وميلوني من مرحلة التقارب الواضح إلى تبادل الانتقادات، خاصة بعد رفض روما السماح باستخدام قواعدها العسكرية في العمليات الأمريكية المرتبطة بالحرب مع إيران.

ورغم موجة الابتعاد هذه، لا تزال بعض القوى اليمينية الأوروبية تحافظ على علاقات وثيقة مع ترامب، خصوصًا في بولندا.

ويرى حزب القانون والعدالة البولندي أن العلاقة مع الرئيس الأمريكي تمنحه نفوذًا سياسيًا داخليًا، خاصة في ظل اعتماد وارسو الكبير على التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.

ويؤكد محللون أن التحول الحالي لا يعني نهاية التحالف الفكري بين ترامب واليمين الأوروبي، لكنه يكشف أن حسابات الانتخابات والمصالح الوطنية بدأت تتفوق على الولاءات السياسية العابرة للأطلسي.

وبعد سنوات من اعتبار دعم ترامب شهادة قوة للحركات القومية، يجد عدد من حلفائه السابقين أنفسهم اليوم أمام معادلة مختلفة: كيف يستفيدون من موجة اليمين العالمية من دون دفع ثمن الارتباط برئيس أمريكي مثير للانقسام.

Exit mobile version