شهدت إسبانيا تدفقاً غير مسبوق لطلبات تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددتها الحكومة للاستفادة من برنامج التقنين الجماعي، بعدما تجاوز عدد المتقدمين 900 ألف شخص، وهو ما يقارب ضعف العدد الذي كانت السلطات تتوقعه عند إطلاق المبادرة.
وتستعد الحكومة الإسبانية لإغلاق باب استقبال الطلبات الثلاثاء، في إطار برنامج يمنح المهاجرين الذين يقيمون داخل البلاد منذ خمسة أشهر على الأقل، ويتمتعون بسجل جنائي نظيف، تصاريح إقامة وعمل قابلة للتجديد، في خطوة تقول مدريد إنها تستهدف دمج مئات الآلاف من المقيمين بصورة غير نظامية داخل سوق العمل والاقتصاد الرسمي.
وكانت الحكومة الإسبانية قد قدرت في البداية أن يستفيد من البرنامج نحو 500 ألف شخص، إلا أن الإقبال الكبير رفع عدد الطلبات إلى أكثر من 900 ألف بحلول منتصف يونيو، وفق بيانات رسمية، ما يعكس حجم شريحة المهاجرين غير النظاميين المقيمين داخل البلاد ورغبتهم في الحصول على وضع قانوني.
وتشير البيانات الحكومية إلى أن نحو 360 ألف متقدم حصلوا بالفعل على تصاريح إقامة وعمل مؤقتة، فيما تواصل السلطات دراسة مئات الآلاف من الملفات الأخرى قبل استكمال إجراءات التسوية.
ويستند برنامج التقنين إلى مبادرة شعبية أطلقت عام 2024 وحظيت بدعم أكثر من 700 ألف مواطن إسباني، إضافة إلى مئات المنظمات الإنسانية، ومؤسسات المجتمع المدني، والكنيسة الكاثوليكية، إلى جانب قطاعات اقتصادية اعتبرت أن دمج العمالة غير النظامية سيعزز سوق العمل ويسهم في معالجة النقص في بعض المهن.
وفي أبريل الماضي، أصدرت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز مرسوماً ملكياً يمنح الراغبين في الاستفادة من البرنامج مهلة تجاوزت ثلاثة أشهر لتقديم طلباتهم، قبل أن تنتهي رسمياً مع نهاية يونيو.
ودافع رئيس الوزراء الإسباني عن القرار باعتباره اعترافاً بالدور الذي يؤديه مئات الآلاف من المهاجرين في دعم الاقتصاد الإسباني، مؤكداً أن هؤلاء يعيشون ويعملون بالفعل داخل البلاد، وأن منحهم وضعاً قانونياً يسهم في تنظيم سوق العمل، وزيادة الإيرادات الضريبية، وتعزيز الحماية الاجتماعية.
ويأتي البرنامج في وقت تواجه فيه إسبانيا تحديات ديموغرافية مرتبطة بتراجع معدلات المواليد وشيخوخة السكان، وهو ما دفع قطاعات اقتصادية عديدة إلى دعم سياسة استيعاب العمالة الأجنبية لسد احتياجات سوق العمل.
ورغم ذلك، أثارت الخطة جدلاً سياسياً واسعاً داخل إسبانيا، إذ عارضها حزب الشعب المحافظ وحزب فوكس اليميني، معتبرين أن التقنين الجماعي قد يشجع مزيداً من الهجرة غير النظامية ويزيد الضغوط على الخدمات العامة.
وتقدمت جهات معارضة بطلب إلى المحكمة العليا لتعليق تنفيذ المرسوم بصورة مؤقتة، إلا أن المحكمة رفضت الطلب الشهر الماضي، ما سمح باستمرار البرنامج حتى انتهاء المهلة المحددة لتقديم الطلبات.
وتضع هذه الخطوة مدريد في مواجهة مع التوجهات الجديدة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي في ملف الهجرة، بعد إقرار إصلاحات واسعة تهدف إلى تشديد الرقابة على الحدود وتسريع إعادة طالبي اللجوء الذين تُرفض طلباتهم.
وأقر الاتحاد الأوروبي خلال يونيو الجاري حزمة إصلاحات شاملة لنظام الهجرة واللجوء، تضمنت إجراءات أكثر صرامة على الحدود، وتسريع عمليات الترحيل، إضافة إلى إنشاء ما يعرف بـ”مراكز العودة” خارج أراضي الاتحاد لاستقبال طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم.
وتقود عدة دول أوروبية، من بينها الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا، جهوداً لدفع الاتحاد الأوروبي نحو الإسراع في إنشاء هذه المراكز باعتبارها جزءاً من السياسة الجديدة لإدارة الهجرة.
في المقابل، أعلنت الحكومة الإسبانية رفضها لهذا التوجه، معتبرة أن المقترحات الأوروبية تثير إشكالات قانونية وإنسانية وتشغيلية، ولا تتناسب مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الأوروبي والقانون الدولي.
وفي رسالة وجهتها مدريد إلى الممثلين الدائمين للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أعربت عن تحفظها على إنشاء مراكز العودة خارج الاتحاد، مشيرة إلى وجود “شكوك قانونية وعملية جدية” بشأن هذه الآلية، ودعت إلى اعتماد سياسة هجرة تستند إلى الاحترام الكامل للقانون الدولي وحقوق الإنسان.
ويرى مراقبون أن إسبانيا تسير بذلك في اتجاه مختلف عن غالبية الحكومات الأوروبية التي تتجه نحو تشديد القيود على الهجرة، بينما تراهن مدريد على إدماج المهاجرين الموجودين بالفعل داخل أراضيها باعتباره خياراً اقتصادياً واجتماعياً أكثر فاعلية.
ويعتبر خبراء أن نجاح البرنامج قد يمنح مئات الآلاف من العمال فرصة للانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى سوق العمل المنظم، بما ينعكس على الإيرادات الضريبية، ويقلل من استغلال العمالة غير النظامية، ويعزز قدرة الدولة على تنظيم سوق العمل والخدمات العامة.

