Site icon أوروبا بالعربي

الاتحاد الأوروبي يدرس مكافأة صربيا بعد تراجعها عن قوانين مثيرة للجدل

مكافأة صربيا

يدرس الاتحاد الأوروبي مكافأة صربيا عبر منحها حوافز سياسية واقتصادية جديدة بعد تراجعها عن مجموعة من القوانين المثيرة للجدل التي أثارت انتقادات أوروبية ودولية واسعة، في خطوة تهدف إلى تشجيع بلغراد على مواصلة الإصلاحات المرتبطة بمسار الانضمام إلى التكتل.

يأتي ذلك في وقت ألقت فيه التطورات السياسية الداخلية وإعلان الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش نيته الاستقالة والدعوة إلى انتخابات مبكرة بظلالها على هذه الخطط.

وكشفت مصادر أوروبية مطلعة أن المفوضية الأوروبية تعمل على إعداد حزمة من الإجراءات التي يمكن أن تشكل “مكافأة” لصربيا بعد قيام البرلمان الصربي بتعديل القوانين القضائية التي كانت محل اعتراض من الاتحاد الأوروبي ولجنة البندقية، أعلى هيئة قانونية تابعة لمجلس أوروبا.

وبحسب المصادر، فإن بروكسل ترى أن تراجع بلغراد عن تلك التشريعات يمثل فرصة لإعادة تنشيط العلاقات مع صربيا، ومنع استمرار التراجع الديمقراطي الذي أثار مخاوف المؤسسات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.

وأوضحت المصادر أن المفوضية الأوروبية تبحث آليات لدفع صربيا إلى الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات وعدم التراجع مجدداً عن التزاماتها المرتبطة بعملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، في إطار سياسة تقوم على ربط الحوافز بالتقدم في ملفات الإصلاح وسيادة القانون.

وجاء التحرك الأوروبي بعد أن صوّت البرلمان الصربي الأسبوع الماضي على تخفيف القوانين التي كانت ستؤثر، بحسب تحذيرات خبراء قانونيين دوليين، على استقلال القضاء، وتضعف عمل أجهزة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد.

وكان الاتحاد الأوروبي ولجنة البندقية قد اعتبرا أن الصيغة السابقة للقوانين كانت ستؤدي إلى إضعاف المؤسسات القضائية، وإبعاد مدعين مختصين بمكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى التأثير في التحقيقات المتعلقة بقضايا الفساد.

وأكد مسؤول أوروبي أن هناك شعوراً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي بضرورة عدم خسارة صربيا بالكامل، رغم استمرار الخلافات السياسية بين الجانبين، مشيراً إلى أن إبقاء بلغراد منخرطة في مسار الانضمام يعد خياراً استراتيجياً بالنسبة لبروكسل.

وأضاف أن صربيا لن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب، إلا أن استمرار عملية الإصلاح يبقى هدفاً أساسياً بالنسبة للمفوضية الأوروبية.

وفي هذا السياق، أجرت مفوضة التوسيع الأوروبية مارتا كوس محادثات مع رئيس البرلمان الصربي عقب إقرار التعديلات، حيث ناقش الجانبان الخطوات المقبلة المطلوبة لتعزيز مسار انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي.

غير أن التطورات السياسية الداخلية سرعان ما فرضت واقعاً جديداً، بعدما أعلن الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش عزمه الاستقالة والدعوة إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وهو ما دفع بروكسل إلى إعادة تقييم توقيت أي خطوات تحفيزية تجاه بلغراد.

وقال فوتشيتش خلال تجمع لأنصار الحزب التقدمي الصربي الحاكم إن أيامه الأخيرة في منصب رئيس الجمهورية قد بدأت، معلناً أنه سيقدم استقالته، رغم أن ولايته الثانية كان من المفترض أن تستمر حتى عام 2027.

ورغم إعلان الاستقالة، تتوقع تقارير إعلامية أن يخوض فوتشيتش الانتخابات المقبلة على منصب رئيس الوزراء، في ظل استمرار نفوذ حزبه داخل المشهد السياسي الصربي، رغم الاحتجاجات الشعبية والاتهامات المتعلقة بالفساد التي واجهتها حكومته خلال الأشهر الماضية.

وأقرت المفوضية الأوروبية بأن المشهد السياسي الجديد يفرض حالة من عدم اليقين بشأن المرحلة المقبلة، مؤكدة أن هوية المرشحين للانتخابات المقبلة لم تتضح بعد.

وفي موازاة ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي استخدام أدوات الضغط المالي لدفع صربيا نحو الإصلاح، بعدما سبق أن حذرها من احتمال فقدان أكثر من مليار يورو من التمويل الأوروبي نتيجة المخاوف المتعلقة بالتراجع الديمقراطي واستمرار العلاقات الوثيقة مع روسيا.

وتعد صربيا دولة مرشحة رسمياً لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ عام 2012، إلا أن مفاوضات الانضمام شهدت تباطؤاً خلال السنوات الأخيرة بسبب الخلافات حول الإصلاحات القضائية، وسيادة القانون، والسياسة الخارجية، ولا سيما موقف بلغراد من موسكو.

ويظل الاتحاد الأوروبي أكبر داعم مالي لصربيا، إذ خصص لها أكثر من 586 مليون يورو على شكل منح غير مستردة بين عامي 2021 و2024، إضافة إلى ما يصل إلى 1.5 مليار يورو من التمويل المشروط بتنفيذ إصلاحات محددة.

كما تشير بيانات الحكومة الصربية إلى أن البلاد حصلت منذ عام 2000 على أكثر من سبعة مليارات يورو من المنح والاستثمارات الأوروبية.

وتسعى بلغراد حالياً إلى فتح المجموعة التفاوضية الثالثة من أصل ست مجموعات ضمن مفاوضات الانضمام، وهي المجموعة التي تشمل ملفات التنافسية، والنمو الاقتصادي، والسياسة الصناعية، والمواءمة مع الاتحاد الجمركي الأوروبي.

وأكد السفير الصربي لدى الاتحاد الأوروبي وكبير المفاوضين، دانييل أبوستولوفيتش، أن القوانين القضائية الجديدة أصبحت متوافقة بالكامل مع توصيات لجنة البندقية، معتبراً أن فتح المجموعة الثالثة سيمثل نقطة تحول في مسار انضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي، وسيسمح بكسر حالة الجمود التي استمرت سنوات.

إلا أن هذا التفاؤل لا يحظى بإجماع داخل الاتحاد الأوروبي، إذ أبدى عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين تشككهم في منح بلغراد أي مكافآت سياسية أو فتح فصول تفاوضية جديدة في المرحلة الحالية.

واعتبر أحد الدبلوماسيين أن تراجع صربيا عن القوانين المثيرة للجدل لا يمثل سوى تصحيح للضرر الذي أحدثته بنفسها، ولا ينبغي اعتباره إنجازاً يستحق مكافآت إضافية، مؤكداً أن العودة إلى نقطة البداية لا تكفي لإثبات وجود تقدم حقيقي في مسار الإصلاح.

وتعكس هذه المواقف استمرار الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع صربيا، بين من يدعو إلى تشجيعها عبر الحوافز للحفاظ على ارتباطها بالمشروع الأوروبي، ومن يرى أن أي خطوات إيجابية يجب أن تسبقها إصلاحات أعمق تضمن احترام مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون واستقلال القضاء.

Exit mobile version