تستعد أيرلندا لإنفاق نحو 293 مليون يورو على رئاستها الدورية للاتحاد الأوروبي، في ميزانية تُعد الأعلى بين الرئاسات الأوروبية الأخيرة، إذ تتجاوز بأكثر من ثلاثة أضعاف ما أنفقته كل من الدنمارك وقبرص، مع تخصيص ما يقارب نصف المبلغ لتعزيز الإجراءات الأمنية استعداداً لاستضافة مئات الاجتماعات والفعاليات الأوروبية رفيعة المستوى.
وبحسب تقرير نشره موقع بوليتيكو أوروبا، فإن الرئاسة الأيرلندية، التي تمتد من الأول من يوليو حتى 31 ديسمبر 2026، ستكلف الخزانة العامة نحو 293 مليون يورو، بينها 125 مليون يورو مخصصة لأعمال الشرطة والأمن، في ظل سعي دبلن إلى تعزيز قدراتها الأمنية قبل استقبال قادة ومسؤولين أوروبيين ودوليين.
وتأتي هذه الميزانية في وقت تتوقع فيه قبرص، التي تتولى حالياً رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، إنفاق نحو 95 مليون يورو فقط، فيما بلغت تقديرات الدنمارك، التي سبقتها في الرئاسة، حوالي 80 مليون يورو.
وأثار حجم الإنفاق المرتقب انتقادات داخل الأوساط السياسية الأيرلندية، حيث قال النائب عن حزب شين فين المعارض ورئيس لجنة الحسابات العامة، جون برادي، إن المبلغ المرصود “يفوق بكثير” ما خصصته الدول التي تولت الرئاسة في السنوات الأخيرة.
وأضاف أن البرلمان سيخضع الإنفاق لرقابة دقيقة، مؤكداً أن المواطنين يستحقون شفافية كاملة وضمانات بعدم تجاوز الميزانية المعلنة.
وتتولى الدولة التي ترأس مجلس الاتحاد الأوروبي، لمدة ستة أشهر، مسؤولية إدارة جدول أعمال المجلس، ورئاسة اجتماعات الوزراء في بروكسل، إلى جانب تنظيم سلسلة واسعة من الاجتماعات والفعاليات السياسية داخل أراضيها.
ومن المنتظر أن تستضيف أيرلندا خلال فترة رئاستها أكثر من 250 اجتماعاً وفعالية، أبرزها قمة المجموعة السياسية الأوروبية المقررة في نوفمبر المقبل، والتي ستجمع قادة 47 دولة أوروبية، لتكون أكبر حدث دبلوماسي تستضيفه البلاد في تاريخها.
في المقابل، قلل وزير الشؤون الأوروبية الأيرلندي توماس بيرن من أهمية الرقم المتداول بشأن الميزانية، قائلاً إن الحكومة لم تعتمد بعد رقماً نهائياً، وإن التكاليف ستكون مرتفعة، لكنها لا تزال قيد المراجعة.
وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأيرلندية أن الحكومة ملتزمة بتوفير الموارد اللازمة لإنجاح الرئاسة، مع الحرص على إدارة الإنفاق بما يضمن تحقيق أفضل قيمة مقابل الأموال العامة.
وأوضح أن التمويل المخصص سيغطي تنفيذ الأولويات السياسية للرئاسة، إلى جانب تنظيم البرنامج المكثف من الاجتماعات والمؤتمرات التي ستستضيفها البلاد طوال الأشهر الستة.
وأشار التقرير إلى أن المقارنة بين تكاليف الرئاسات الأوروبية ليست سهلة بسبب اختلاف أساليب إعداد الميزانيات بين الدول.
ففي قبرص، بلغت النفقات التشغيلية، بما في ذلك الأمن، نحو 68 مليون يورو، إضافة إلى 27 مليون يورو خُصصت لمشاريع البنية التحتية والتطوير.
أما في الدنمارك، فقد بلغت التكاليف الحكومية نحو 57.7 مليون يورو، يضاف إليها ما يقارب 20 مليون يورو لتغطية الإجراءات الأمنية، ليصل إجمالي الإنفاق إلى نحو 80 مليون يورو.
وبالعودة إلى الرئاسة الأيرلندية السابقة عام 2013، أشار التقرير إلى أن الميزانية المعلنة آنذاك بلغت نحو 60 مليون يورو، أي ما يعادل حوالي 77 مليون يورو بالأسعار الحالية، فيما انتهت النفقات الفعلية عند نحو 51 مليون يورو، في ظل سياسة تقشف كانت تطبقها الحكومة آنذاك.
ويُعزى الجزء الأكبر من الزيادة الحالية إلى المخاوف الأمنية المتزايدة.
وأشار التقرير إلى أن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أيرلندا العام الماضي شهدت تحليق طائرات مسيّرة مجهولة فوق الأجواء الأيرلندية، ما أثار تساؤلات واسعة بشأن جاهزية البلاد لمواجهة التهديدات الأمنية الحديثة.
وعقب تلك الحادثة بأيام، أعلنت الحكومة الأيرلندية خطة بقيمة 1.7 مليار يورو لتحديث قدراتها الدفاعية، تضمنت تخصيص 19 مليون يورو لتطوير أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، مع التأكيد على ضرورة إنجازها قبل بدء الرئاسة الأوروبية.
ورغم هذه الاستعدادات، حذر عضو مجلس الشيوخ والمحلل العسكري توم كلونان من أن النفقات قد ترتفع بصورة كبيرة إذا تعرضت البلاد لهجوم إلكتروني أو حادث أمني غير متوقع خلال فترة الرئاسة.
وقال إن أيرلندا لا تزال تفتقر إلى منظومة دفاع جوي وبحري وإلكتروني متكاملة، معتبراً أن البلاد فوجئت بحجم التحديات الأمنية التي تفرضها استضافة هذا العدد الكبير من الفعاليات الدولية.
في المقابل، أكدت الشرطة الأيرلندية أنها بدأت التحضير للرئاسة منذ عام 2024، وشمل ذلك دراسة تجارب الدول التي تولت الرئاسة سابقاً، إلى جانب استثمارات واسعة في تقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة وتعزيز جاهزية الأجهزة الأمنية.
كما أكد مفوض الشرطة جاستن كيلي أن قوات الأمن تمتلك القدرات اللازمة للتعامل مع أي تهديدات محتملة خلال فترة الرئاسة.
وشدد وزير الشؤون الأوروبية توماس بيرن على أن الحكومة واثقة من قدرتها على تأمين جميع الفعاليات، مضيفاً أن وجود تهديدات محتملة أمر طبيعي في مثل هذه المناسبات، إلا أن السلطات، بحسب قوله، مستعدة للتعامل معها وضمان سير الرئاسة بصورة آمنة.

