بروكسل – تبدأ أيرلندا رئاستها الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي وسط تحديات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، مع تكليفها بقيادة مفاوضات معقدة بشأن عدد من أكثر الملفات حساسية داخل التكتل.
ويبرز في مقدمة تلك الملفات الميزانية الأوروبية طويلة الأجل، والسياسات الصناعية، والسيادة التكنولوجية، والدفاع التجاري، والهجرة، في وقت يسعى فيه الاتحاد إلى إنهاء أكبر قدر ممكن من التشريعات قبل دخول أوروبا مرحلة انتخابية قد تعطل عملية صنع القرار خلال عام 2027.
وتتولى دبلن رئاسة أجندة السياسات الأوروبية في مرحلة يعتبرها مسؤولون أوروبيون فرصة لإحراز تقدم بعد تراجع حدة الخلافات السياسية التي كانت تعرقل عمل الاتحاد في السنوات الماضية.
إلا أن ضيق الوقت يفرض ضغوطاً كبيرة على الرئاسة الجديدة لإنجاز ملفات استراتيجية قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة، والتي قد تعيد رسم موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي.
ويتصدر ملف الميزانية الأوروبية للأعوام 2028-2034 قائمة الأولويات، باعتباره أكثر الملفات تعقيداً داخل الاتحاد، إذ تنظم الميزانية الإنفاق الأوروبي على قطاعات الزراعة والدفاع والتنمية والابتكار، وتتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء بالإجماع.
وتستعد أيرلندا لإطلاق جولة جديدة من المفاوضات عبر تقديم وثيقة تفاوضية معدلة في أكتوبر المقبل تتضمن أرقاماً جديدة للإنفاق، تمهيداً للوصول إلى اتفاق خلال القمة الأوروبية المقررة في ديسمبر.
ويواجه هذا الملف انقساماً واضحاً بين الدول الشمالية الغنية، التي تطالب بخفض كبير لحجم الميزانية، ودول جنوب وشرق أوروبا التي تدافع عن زيادة الإنفاق الأوروبي، خاصة على برامج التماسك الإقليمي والدعم الزراعي، ما يضع الرئاسة الأيرلندية أمام مهمة شاقة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وبالتوازي مع ذلك، تسعى بروكسل إلى تمرير قانون “تسريع الصناعة”، الذي يهدف إلى تعزيز تنافسية الشركات الأوروبية في مواجهة تدفق الصادرات الصينية المدعومة، عبر منح أفضلية لمنتجات “صنع في الاتحاد الأوروبي” في المشتريات الحكومية، وتشديد الرقابة على الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الاستراتيجية.
إلا أن المشروع يواجه خلافات حادة بين الدول الأعضاء، إذ تدافع فرنسا عن توسيع سياسات الحماية الصناعية، بينما تتحفظ ألمانيا وعدد من دول الشمال الأوروبي خشية أن يؤدي ذلك إلى تقويض مبادئ التجارة الحرة وإلحاق أضرار بالشركات الأوروبية التي تعتمد على الأسواق العالمية.
كما يثير القانون نقاشاً واسعاً حول قائمة “الشركاء الموثوقين” الذين سيتمتعون بمعاملة تفضيلية في العقود الحكومية الأوروبية.
وفي المجال التكنولوجي، تضع المفوضية الأوروبية ضمن أولوياتها تقليص اعتماد الاتحاد على الشركات الأجنبية، ولا سيما الأمريكية، عبر حزمة تشريعات جديدة تشمل تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وتعزيز إنتاج الرقائق الإلكترونية الأوروبية، وإلزام الإدارات العامة بتقييم اعتمادها على الموردين الأجانب واستبدالهم عند الضرورة.
وتعتبر هذه الحزمة أول تحرك واسع النطاق لتعزيز ما تصفه بروكسل بـ”السيادة الرقمية” الأوروبية في ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة.
كما ينتظر الرئاسة الأيرلندية ملف آخر مثير للجدل يتعلق بتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تدرس المفوضية الأوروبية فرض قيود عمرية موحدة على استخدام المنصات الرقمية للأطفال، بعد تصاعد المخاوف من تأثيراتها الصحية والاجتماعية.
ومن المتوقع أن تصدر المفوضية مقترحات تشريعية خلال النصف الثاني من العام، وسط انقسام بين الحكومات الأوروبية وخبراء الخصوصية حول مدى جدوى هذه القيود وتأثيرها على الحقوق الرقمية.
وفي ملف المناخ، تستعد المفوضية لطرح تعديلات على نظام تداول الانبعاثات الأوروبي، تشمل تخفيف بعض القيود المفروضة على الصناعات كثيفة الانبعاثات، في محاولة لدعم القدرة التنافسية للشركات الأوروبية التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الطاقة ومنافسة متزايدة من المنتجات الصينية.
إلا أن المقترحات مرشحة لإشعال مواجهة سياسية بين الدول التي تطالب بتخفيف قواعد المناخ لحماية الصناعة، وأخرى تتمسك بالأهداف البيئية للاتحاد.
ومن الملفات الرئيسية أيضاً مشروع اتحاد الادخار والاستثمار، الذي يهدف إلى توحيد أسواق رأس المال الأوروبية وتسهيل تدفق الاستثمارات الخاصة نحو قطاعات الدفاع والابتكار والتحول الأخضر، إلا أن المشروع يواجه خلافات حول إنشاء جهة رقابية أوروبية موحدة تشرف على الأسواق المالية، في ظل تمسك عدد من الدول بصلاحياتها الوطنية في هذا المجال.
وفي سياق مواجهة الضغوط التجارية، تعمل المفوضية الأوروبية على إعداد أدوات جديدة للدفاع التجاري تستهدف الحد من الاختلال المتزايد في العلاقات الاقتصادية مع الصين، بعد تحول جميع دول الاتحاد الأوروبي إلى تسجيل عجز تجاري مع بكين.
وتشمل المقترحات أدوات لتسريع إجراءات مكافحة الإغراق وتنويع مصادر الاستيراد، وسط مطالب متزايدة من عدة دول أوروبية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لحماية السوق الأوروبية.
وتشير الوثيقة إلى أن الرئاسة الأيرلندية ستكون مطالبة بإدارة جدول أعمال مزدحم يمتد من إصلاح قواعد الهجرة والدفاع الأوروبي إلى توسعة الاتحاد، في وقت يزداد فيه الضغط السياسي لإنجاز أكبر عدد ممكن من الملفات قبل دخول أوروبا مرحلة انتخابية جديدة قد تعرقل عملية اتخاذ القرار لسنوات.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن نجاح دبلن في تحقيق توافقات حول هذه القضايا سيحدد إلى حد كبير قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على زخمه السياسي ومواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية خلال المرحلة المقبلة.

