Site icon أوروبا بالعربي

ميرتس يروج لنفسه كمصلح.. لكن استطلاعات الرأي تمنح اليمين المتطرف زخماً غير مسبوق

يواصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس الترويج لنفسه باعتباره “مستشار الإصلاح” القادر على إنقاذ الاقتصاد الألماني واستعادة ثقة المواطنين، إلا أن سلسلة الإصلاحات التي دفعت بها حكومته الائتلافية تواجه انتقادات متزايدة، وسط مؤشرات على أنها لم تنجح حتى الآن في وقف الصعود المتواصل لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، الذي يتصدر استطلاعات الرأي الوطنية.

وبحسب تقرير نشره موقع بوليتيكو أوروبا، يسعى ميرتس إلى إقناع الناخبين بأن حكومته تنفذ إصلاحات هيكلية طال انتظارها لمعالجة التباطؤ الاقتصادي والتشاؤم المتزايد داخل المجتمع الألماني، وهو المناخ الذي وفر أرضية خصبة لتنامي شعبية اليمين المتطرف خلال الأشهر الأخيرة.

وقبل بدء العطلة الصيفية للبرلمان الألماني، سارع ميرتس إلى دفع شركائه في الائتلاف، الذي يضم المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين، لإقرار حزمة إصلاحات تشمل أنظمة التقاعد والضرائب والتأمين الصحي، في محاولة لإظهار قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات صعبة قبل الانتخابات المحلية المقررة في سبتمبر المقبل في شرق ألمانيا، حيث يقترب حزب البديل من أجل ألمانيا من تحقيق مكاسب انتخابية جديدة.

وخلال جلسة في البرلمان الألماني، رفض ميرتس الاتهامات التي تطال أحزاب الوسط بالعجز عن الإنجاز، مؤكدًا أن حكومته تحقق إصلاحات حقيقية، ومحذرًا من أن الأحزاب الراديكالية، سواء في اليمين أو اليسار، لا تقدم حلولًا وإنما تهدد استقرار البلاد وتقودها نحو الانقسام.

وتتضمن الإصلاحات الحكومية تعديلات على نظام التقاعد، وخفضًا لبعض أعباء الضرائب، وإجراءات لإعادة هيكلة نظام التأمين الصحي، وهي خطوات طالبت بها الأوساط الاقتصادية منذ سنوات بهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الألماني وتقليص تكاليف العمل.

ويرى التقرير أن هذه الإجراءات تمثل تحولًا مقارنة بالحكومات السابقة التي تجنبت اتخاذ قرارات غير شعبية مثل رفع سن التقاعد وتقليص بعض المزايا الاجتماعية، إلا أن كثيرًا من الناخبين ورجال الأعمال يعتبرونها محدودة التأثير ولا ترقى إلى مستوى الوعود التي أطلقها ميرتس قبل وصوله إلى السلطة.

وأثار أحد أبرز مقترحات الحكومة، والمتعلق بتشديد قواعد الإجازات المرضية وتشجيع الألمان على العمل لساعات أطول، موجة واسعة من الجدل، بعدما اعتبره معارضون مساسًا بحقوق الموظفين.

واستغل حزب البديل من أجل ألمانيا هذا الملف لمهاجمة المستشار، حيث اتهم الرئيس المشارك للحزب، تينو خروبالا، ميرتس بالافتقار إلى التعاطف مع المواطنين والمرضى، واصفًا مقترحاته بأنها تعكس انفصالًا عن واقع الألمان، ومشيرًا إلى خلفيته السابقة في شركة “بلاك روك” لإدارة الأصول باعتبارها دليلًا على ابتعاده عن هموم الطبقات العاملة.

ويواجه ميرتس في الوقت نفسه أزمة ثقة متفاقمة، إذ أظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته مؤسسة ARD-DeutschlandTrend أن نسبة الراضين عن أدائه لا تتجاوز 13%، وهي أدنى نسبة تسجل لمستشار ألماني منذ بدء إجراء هذا الاستطلاع قبل نحو ثلاثة عقود.

كما كشف الاستطلاع عن رفض غالبية الألمان لواحد من أهم بنود إصلاح نظام التقاعد، وهو ربط سن التقاعد بمتوسط العمر المتوقع، حيث عارض نحو 63% من المشاركين هذا التوجه.

ورغم ترحيب اتحادات الأعمال ببعض الإصلاحات، فإنها اعتبرت أنها لا تزال غير كافية لإنعاش الاقتصاد.

وقالت الرئيسة التنفيذية لاتحاد الصناعات الألمانية، تانيا غونر، إن الإجراءات الأخيرة تمثل إشارة إيجابية إلى قدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات، لكنها لا تشكل حافزًا قويًا لتحقيق النمو الاقتصادي الذي تحتاجه البلاد.

وفي محاولة لتخفيف الضغوط على المواطنين، وافق الائتلاف الحكومي على خفض الضرائب على أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط، إلا أن المعارضة شككت في جدوى هذه الخطوة.

ووفقًا لخطة الحكومة، فإن أسرة عاملة مكونة من أربعة أفراد يبلغ دخلها السنوي الخاضع للضريبة 60 ألف يورو ستستفيد من تخفيض ضريبي يتجاوز 600 يورو سنويًا، لكن هذا الإجراء لن يدخل حيز التنفيذ الكامل قبل عام 2028.

واعتبر حزب الخضر أن هذه التخفيضات ستكون محدودة الأثر، لأن الزيادات المتوقعة في مساهمات التقاعد ستلتهم الجزء الأكبر من المكاسب المالية للأسر.

وشبهت النائبة كاتارينا بيك الإصلاحات الضريبية بما وصفته بـ”التغليف الخادع”، معتبرة أنها تبدو أكبر من مضمونها الحقيقي، فيما أكدت الرئيسة المشاركة للكتلة البرلمانية للحزب، كاثارينا دروج، أن الحكومة ما زالت في بداية الطريق، وأن الإصلاحات لم تتجاوز بعد المراحل البرلمانية اللازمة لإقرارها.

ويرى التقرير أن التحدي الأكبر أمام ميرتس لا يتمثل فقط في تمرير الإصلاحات، بل في إقناع الناخبين بأنها قادرة على تحسين أوضاعهم المعيشية، في وقت يواصل فيه حزب البديل من أجل ألمانيا استثمار حالة السخط الشعبي وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة والإسكان لتعزيز حضوره السياسي، ما يجعل قدرة المستشار على وقف تمدد اليمين المتطرف موضع اختبار حقيقي خلال الأشهر المقبلة، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الجديدة في الولايات الألمانية.

Exit mobile version