يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تخفيف عدد من القواعد التنظيمية المفروضة على القطاع المصرفي، في إطار خطة تستهدف تعزيز قدرة البنوك الأوروبية على منافسة نظيراتها الأمريكية، بعد تزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين المؤسسات المالية على جانبي الأطلسي.
وتستعد المفوضية الأوروبية لطرح رؤية جديدة لإصلاح القواعد المصرفية، تتضمن مراجعة عدد من المتطلبات التنظيمية التي تعتبرها المؤسسات المالية عائقاً أمام التوسع وزيادة الإقراض، في خطوة تعكس تحولاً في السياسة الاقتصادية الأوروبية نحو إعطاء أولوية أكبر للنمو والقدرة التنافسية.
وتأتي هذه التوجهات في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن أكبر بنك أمريكي، “جي بي مورغان”، تتجاوز قيمته السوقية مجتمعة أكبر عشرة بنوك في الاتحاد الأوروبي، وهو ما دفع المسؤولين الأوروبيين إلى إعادة تقييم البيئة التنظيمية التي يعمل فيها القطاع المصرفي داخل التكتل.
وتستند الخطة الأوروبية إلى مراجعة متطلبات رأس المال التي تلزم البنوك بالاحتفاظ باحتياطيات مالية لمواجهة الأزمات، إضافة إلى دراسة تعديل القواعد المتعلقة بمكافآت كبار المصرفيين، ومنح الجهات الرقابية دوراً أكثر ارتباطاً بدعم تنافسية القطاع إلى جانب الحفاظ على الاستقرار المالي.
وأظهرت مسودات متداولة لوثيقة المفوضية أن النسخة الأخيرة تمنح المؤسسات المصرفية مرونة أكبر مقارنة بالمسودات السابقة، مع التزام بدراسة كيفية احتساب متطلبات رأس المال بصورة قد تخفف الأعباء التنظيمية على البنوك الأوروبية.
كما تتضمن الخطة بحث إمكانية منح الهيئة المصرفية الأوروبية تفويضاً صريحاً لدعم تنافسية القطاع، وهو توجه يشابه ما اعتمدته المملكة المتحدة عندما أضافت هدف تعزيز التنافسية إلى مهام الجهات الرقابية المالية.
وتشير المعلومات إلى أن كبار المسؤولين في مكتب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين شاركوا بصورة مباشرة في صياغة المقترحات، بهدف جعلها أكثر دعماً للقطاع المالي وأكثر تركيزاً على تعزيز القدرة التنافسية مقارنة بالنسخ السابقة.
وحظيت هذه التوجهات بترحيب واسع داخل الأوساط المصرفية، التي ترى أن القواعد الحالية تحد من قدرة البنوك على تمويل الشركات والاستثمارات، وتضعها في موقع أقل تنافسية مقارنة بالمصارف الأمريكية التي تستفيد من بيئة تنظيمية أكثر مرونة.
كما أبدت عدة حكومات أوروبية، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، دعمها لإصلاحات تسمح للبنوك بالعمل بحرية أكبر داخل السوق الأوروبية الموحدة، معتبرة أن نجاح مشروع الاتحاد لتطوير أسواق الاستثمار يعتمد على وجود قطاع مصرفي قوي وقادر على التوسع عبر الحدود.
وأكدت هذه الدول أن البنوك الأوروبية، رغم تحقيقها أرباحاً، ما تزال أقل حجماً وتأثيراً من منافساتها العالمية، خصوصاً في مجالات الخدمات المصرفية الاستثمارية وأسواق رأس المال.
وتعزز هذه المخاوف تقارير اقتصادية سابقة خلصت إلى أن انخفاض الربحية وارتفاع التكاليف وصغر حجم المؤسسات المصرفية الأوروبية يقلل من قدرتها على تمويل الاستثمارات الكبرى مقارنة بالمصارف الأمريكية.
ويأتي التحرك الأوروبي أيضاً بعد أن خففت الولايات المتحدة في مارس الماضي بعض متطلبات رأس المال المفروضة على البنوك، عقب ضغوط قوية من القطاع المالي، وهو ما زاد المطالب داخل أوروبا باتخاذ خطوات مماثلة للحفاظ على القدرة التنافسية.
وترى البنوك أن تخفيض متطلبات الاحتياطيات الرأسمالية سيتيح لها توجيه موارد مالية أكبر نحو الإقراض وتمويل الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من تجميد جزء كبير من أموالها لتلبية المتطلبات التنظيمية.
وفي المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف لدى عدد من الخبراء والمنظمات المعنية بحماية المستهلكين والاستقرار المالي، الذين يحذرون من أن تخفيف القيود قد يزيد من هشاشة النظام المصرفي في حال وقوع أزمات مالية جديدة.
ويؤكد منتقدو المقترحات أن متطلبات رأس المال المرتفعة لا تمثل عبئاً غير مبرر، بل تشكل شبكة أمان ضرورية لحماية النظام المالي وضمان قدرة البنوك على مواصلة تمويل الاقتصاد خلال فترات الأزمات.
كما يعارض مسؤولون في البنك المركزي الأوروبي توسيع مهام الجهات الرقابية لتشمل تعزيز التنافسية، معتبرين أن الأولوية يجب أن تبقى لحماية الاستقرار المالي وسلامة النظام المصرفي، دون إدخال اعتبارات اقتصادية قد تؤثر في استقلالية الرقابة.
ورغم ذلك، لم تصل المقترحات الحالية إلى حد منح البنك المركزي الأوروبي نفسه تفويضاً يتعلق بالتنافسية، واقتصرت على دراسة توسيع صلاحيات الهيئة المصرفية الأوروبية في هذا المجال.
ومن المنتظر أن تثير الخطة نقاشاً واسعاً بين الحكومات الأوروبية والبرلمان الأوروبي والهيئات الرقابية خلال الأشهر المقبلة، وسط انقسام بين مؤيدي تخفيف القيود لتعزيز النمو الاقتصادي، وبين من يحذرون من أن تقليص الضمانات التنظيمية قد يعيد النظام المالي الأوروبي إلى مستويات أعلى من المخاطر في المستقبل.

