تزامن صعود المنتخب الإسباني إلى نهائي كأس العالم مع تحول لافت في المشهد السياسي والاجتماعي داخل البلاد، حيث برزت منطقتا كتالونيا وإقليم الباسك بوصفهما الركيزة الأساسية للمنتخب الوطني، في وقت تراجع فيه الخطاب الانفصالي الذي هيمن على الحياة السياسية خلال العقد الماضي، لتحل محله قضايا اقتصادية واجتماعية أكثر إلحاحاً.
وتضم تشكيلة المنتخب الإسباني التي تخوض النهائي أمام الأرجنتين عدداً من اللاعبين المنحدرين من كتالونيا وإقليم الباسك يفوق عدد اللاعبين القادمين من بقية مناطق البلاد، في مؤشر على استمرار هيمنة هاتين المنطقتين على صناعة المواهب الكروية، رغم ما شهدتاه من توترات سياسية حادة خلال السنوات الماضية.
كما تخلو القائمة من أي لاعب يمثل نادي ريال مدريد، أحد أبرز رموز العاصمة الإسبانية، وهو ما يعكس التحول في مراكز الثقل داخل كرة القدم الإسبانية، مع استمرار أكاديمية برشلونة والأندية الباسكية في إنتاج أبرز المواهب.
ويستحضر هذا المشهد ذكريات نهائي كأس العالم عام 2010، عندما قاد عدد كبير من نجوم برشلونة المنتخب الإسباني إلى أول لقب عالمي في تاريخه، بقيادة لاعبين مثل تشافي هيرنانديز، وكارليس بويول، وجيرارد بيكيه، وسيرجيو بوسكيتس، الذين شكلوا العمود الفقري للفريق آنذاك.
غير أن ذلك الإنجاز الرياضي تزامن في حينه مع تصاعد غير مسبوق للاحتجاجات المطالبة بتوسيع الحكم الذاتي في كتالونيا، بعدما أثار قرار قضائي بتقليص بعض صلاحيات الإقليم موجة غضب واسعة، شكلت بداية أزمة سياسية انتهت بمحاولة الانفصال المثيرة للجدل عام 2017.
وبعد ستة عشر عاماً، تبدلت أولويات المشهد الإسباني بصورة كبيرة، إذ تراجع ملف الانفصال إلى الخلفية، بينما أصبحت قضايا الفساد والإسكان والهجرة والتضخم أكثر حضوراً في النقاش العام، وهو ما انعكس أيضاً على أجندة الأحزاب القومية في كتالونيا وإقليم الباسك.
ويرى مراقبون أن كرة القدم تحولت إلى وسيلة أكثر تأثيراً للتعبير عن هوية المنطقتين، بعدما أصبحت إنجازاتهما الرياضية تتصدر المشهد المحلي والدولي، في وقت فقد فيه مشروع الانفصال زخمه الشعبي والسياسي.
وأكدت شخصيات سياسية في الحكومة الإسبانية أن البلاد تجاوزت واحدة من أصعب الأزمات الدستورية في تاريخها الحديث، معتبرة أن السنوات الأخيرة شهدت عودة تدريجية للاستقرار والتعايش بين الحكومة المركزية والأقاليم.
وفي المقابل، يرى محللون أن تراجع النزعة الانفصالية لا يعني اختفاء المشاعر القومية في كتالونيا أو إقليم الباسك، بل يعكس تغيراً في ترتيب الأولويات لدى المواطنين، الذين باتوا يركزون بصورة أكبر على القضايا الاقتصادية وتكاليف المعيشة وأزمة السكن.
وعلى المستوى الرياضي، يعود التأثير الكتالوني في كرة القدم الإسبانية إلى الثورة التي أحدثها المدرب الهولندي يوهان كرويف في برشلونة خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما رسخ أسلوباً يعتمد على الاستحواذ والتمرير القصير والضغط الجماعي، وهو النهج الذي واصل تطويره لاحقاً بيب غوارديولا، ليصبح نموذجاً يحتذى به في مختلف أنحاء العالم.
ولا تزال أكاديمية “لا ماسيا” التابعة لبرشلونة تواصل إنتاج أجيال جديدة من اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للمنتخب الإسباني، فيما أصبح أسلوب اللعب القائم على الاستحواذ والضغط من أبرز سمات الكرة الإسبانية الحديثة.
وفي السنوات الأخيرة، برز إقليم الباسك بدوره كقوة متنامية داخل كرة القدم الأوروبية، بعدما ساهم لاعبوه بصورة مباشرة في تتويج إسبانيا ببطولة أوروبا عام 2024، من خلال تألق ميكيل أويارزابال ونيكو ويليامز في المباراة النهائية أمام إنجلترا.
كما شهدت الساحة التدريبية صعود عدد من المدربين الباسك الذين تولوا قيادة أندية كبرى، خصوصاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث باتت أسماء مثل ميكيل أرتيتا وأندوني إيراولا من أبرز المدربين في المسابقة، في دلالة على اتساع النفوذ الباسكي خارج حدود إسبانيا.
سياسياً، بدأت الأزمة الكتالونية بالتصاعد منذ عام 2010، قبل أن تبلغ ذروتها في استفتاء الاستقلال الذي نظمته حكومة الإقليم عام 2017، واعتبرته مدريد غير قانوني، ما أدى إلى مواجهات مع الشرطة، وفرض الإدارة المركزية سيطرتها المباشرة على الإقليم، وسجن عدد من القادة الانفصاليين، بينما غادر رئيس حكومة كتالونيا آنذاك كارليس بوتشدمون إلى بلجيكا.
لكن السنوات اللاحقة شهدت تغيراً تدريجياً في المشهد، بعدما أطلقت الحكومة الإسبانية سراح عدد من القادة الانفصاليين، وأقرت إجراءات عفو شملت آخرين، في حين صدرت أحكام قضائية أوروبية دعمت استفادة بوتشدمون من العفو، ما يمهد الطريق أمام عودته إلى إسبانيا.
ويرى مراقبون أن تجربة الانفصال السابقة فقدت زخمها بعد فشلها في تحقيق أهدافها، وهو ما دفع الأحزاب القومية إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً من الدفع نحو مواجهة سياسية جديدة مع الحكومة المركزية.

