Site icon أوروبا بالعربي

أوروبا تستعين بالماعز والأغنام للحد من حرائق الغابات وسط تصاعد مخاطر المناخ

تتجه دول أوروبية إلى توسيع استخدام الماعز والأغنام والماشية في جهود الوقاية من حرائق الغابات، مع تصاعد موجات الحر واتساع رقعة الحرائق خلال السنوات الأخيرة، في خطوة يرى خبراء أنها قد تشكل وسيلة فعالة للحد من اشتعال النيران قبل اندلاعها، عبر تقليل الغطاء النباتي القابل للاحتراق.

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه فرق الإطفاء في دول مثل فرنسا وإسبانيا تحديات متزايدة في احتواء الحرائق الكبرى، بما في ذلك نقص الطائرات المخصصة لإخماد النيران، الأمر الذي دفع السلطات والباحثين إلى التركيز بصورة أكبر على إجراءات الوقاية بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة بعد اندلاع الحرائق.

وتقوم الفكرة على توجيه قطعان الماعز والأغنام للرعي في المناطق الحرجية والأراضي الطبيعية عالية الخطورة، حيث تتغذى الحيوانات على الأعشاب الجافة والشجيرات الكثيفة، ما يؤدي إلى تقليل كمية الوقود النباتي الذي يساعد على انتشار النيران بسرعة.

وحظيت هذه الممارسة خلال العام الجاري بدعم من المفوضية الأوروبية وعدد من المنظمات الزراعية، بعدما أظهرت تجارب ميدانية في مناطق إكستريمادورا والأندلس وفالنسيا الإسبانية أن الرعي المنتظم ساهم في الحد من انتشار حرائق الغابات وتقليل شدتها.

ويرى مختصون في إدارة حرائق الغابات أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الحلول، وإنما في تركيز الحكومات على تمويل عمليات الإطفاء بعد وقوع الكوارث، بدلاً من الاستثمار في إجراءات وقائية تقلل من احتمالات اندلاع الحرائق من الأساس.

وقال خبراء إن الرعاة يؤدون دوراً بيئياً لا يقل أهمية عن فرق الإطفاء، لأنهم يساهمون في الحفاظ على الغابات والمناطق الطبيعية عبر إزالة النباتات الجافة بصورة مستمرة، وهو ما يحد من تكوّن مساحات واسعة قابلة للاشتعال.

وفي فرنسا، حيث تهدد الحرائق مناطق واسعة من الجنوب الغربي، شارك مزارعون في دعم جهود الإطفاء من خلال استخدام معداتهم الزراعية لنقل المياه، في وقت يشير فيه خبراء إلى أن تراجع أعداد المزارعين والرعاة ساهم في زيادة مخاطر الحرائق.

وأوضح مختصون أن هجر الأراضي الزراعية أدى إلى انتشار الشجيرات والنباتات الكثيفة التي تتحول مع الجفاف إلى وقود سريع الاشتعال، بينما تتكون في كثير من المناطق غابات متصلة ومتجانسة يسهل انتقال النيران بينها.

وأكد مرصد كوبرنيكوس الأوروبي أن أكبر حرائق الغابات التي تشهدها أوروبا تتركز غالباً في المناطق التي تمتد فيها الغابات والأحراش على مساحات واسعة دون وجود فواصل طبيعية تحد من انتشار النيران.

ورغم توافر المراعي الطبيعية، يشير ممثلو القطاع الزراعي إلى أن مهنة الرعي أصبحت أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية، وهو ما أدى إلى تراجع أعداد العاملين فيها، خاصة بين الشباب.

وطالب مسؤولون في جمعيات المزارعين بإنشاء صندوق أوروبي لدعم الرعاة، معتبرين أن دورهم في حماية الغابات يشبه دور خط الدفاع الأول في مواجهة الكوارث الطبيعية، وأن استمرار هذه المهنة يتطلب حوافز مالية تضمن استدامتها.

وفي إقليم كاتالونيا الإسباني، يقدم مشروع “قطعان النار” نموذجاً عملياً لهذا النهج، إذ تمول السلطات المحلية، بدعم من صناديق الاتحاد الأوروبي، عمليات رعي منظمة داخل مناطق حرجية تعتبرها أجهزة الإطفاء الأكثر عرضة للحرائق.

ويقوم الرعاة ضمن المشروع بتربية الماعز والأغنام في تلك المناطق، بينما تسوق منتجاتهم، مثل الأجبان والألبان، بعلامات تعريفية توضح مساهمتها في حماية الغابات والحد من مخاطر الحرائق، بما يمنح المستهلكين فرصة دعم المشروع من خلال شراء هذه المنتجات.

كما تستخدم مناطق أخرى في إسبانيا الأبقار والخيول للغرض نفسه، في إطار برامج تهدف إلى إدارة الغطاء النباتي بصورة طبيعية وتقليل الاعتماد على الوسائل الميكانيكية أو الكيميائية.

وترى المفوضية الأوروبية أن الرعي يمكن أن يشكل إحدى الوسائل التي تساعد المجتمعات على التكيف مع تغير المناخ، إذ أدرجته ضمن استراتيجيات الوقاية من حرائق الغابات والسياسات الجديدة المتعلقة بتنمية قطاع الثروة الحيوانية.

إلا أن باحثين وخبراء بيئيين يرون أن الخطوات الأوروبية لا تزال محدودة، مؤكدين أن النجاح يتطلب استثمارات أكبر في إعادة إحياء أنماط إدارة الأراضي التقليدية التي كانت تحافظ على توازن الغابات لعقود طويلة.

وكان المجلس الاستشاري العلمي للأكاديميات الأوروبية قد انتقد في تقرير سابق تركيز الاتحاد الأوروبي على إخماد الحرائق والاستجابة الطارئة، داعياً إلى تبني سياسات طويلة الأمد تعيد تشكيل المناطق المعرضة للحرائق، معتبراً أن الرعي المنظم يمثل أحد أكثر الوسائل فعالية في الحد من اتساع حرائق الغابات وتقليل آثارها في ظل تزايد موجات الحر والتغيرات المناخية التي تشهدها القارة.

Exit mobile version