يبدأ الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي مع دخول صلاحيات رقابية موسعة حيز التنفيذ، تمنح المفوضية الأوروبية سلطات غير مسبوقة للإشراف على أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً، بما في ذلك فرض غرامات مالية كبيرة أو تقييد استخدام بعض النماذج، وصولاً إلى حظرها من السوق الأوروبية إذا اعتُبرت غير ملتزمة بمتطلبات السلامة.
وتتولى تنفيذ هذه المهام وحدة متخصصة داخل مكتب الذكاء الاصطناعي التابع للمفوضية الأوروبية، تضم عشرات الخبراء والمسؤولين، وتعد أول جهة تنظيمية في العالم تتولى تطبيق إطار قانوني شامل يستهدف نماذج الذكاء الاصطناعي ذات القدرات العالية.
وتأتي هذه الخطوة في إطار تطبيق قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2024، ويُلزم الشركات المطورة للنماذج المتقدمة، مثل OpenAI وGoogle وAnthropic وغيرها، بإجراء تقييمات للمخاطر النظامية المحتملة واتخاذ إجراءات للحد منها قبل طرح منتجاتها في الأسواق.
ويستهدف القانون النماذج التي قد تنطوي على مخاطر واسعة النطاق، بما في ذلك الاستخدامات المرتبطة بالهجمات الكيميائية أو البيولوجية أو النووية، والهجمات السيبرانية، وفقدان السيطرة على الأنظمة الذكية، إضافة إلى مخاطر التلاعب الجماهيري بالمعلومات.
وتمنح القواعد الجديدة المفوضية الأوروبية صلاحية طلب معلومات تقنية مفصلة من الشركات، وإجراء تقييمات إضافية، وفرض تدابير تصحيحية إذا تبين وجود مخاطر لا تتم معالجتها بصورة كافية.
وفي الحالات التي ترى فيها المفوضية أن الشركات لا تلتزم بمتطلبات القانون، يمكنها إصدار أوامر بتقييد استخدام النماذج أو تعليقها أو سحبها من السوق الأوروبية، إلى جانب فرض غرامات قد تصل إلى 15 مليون يورو أو ما يعادل 3% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للشركة، بحسب طبيعة المخالفة.
ويرى مسؤولون أوروبيون أن الهدف من هذه الصلاحيات ليس إبطاء الابتكار، وإنما ضمان تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة، مع الحد من المخاطر التي قد تنتج عن إطلاق نماذج متقدمة دون اختبارات كافية.
وتعمل الوحدة المختصة منذ أكثر من عام على إعداد اللوائح التنفيذية ومدونات السلوك الخاصة بالشركات المطورة للذكاء الاصطناعي، بهدف توفير آليات واضحة للامتثال للقواعد الجديدة.
ورغم ذلك، واجهت عملية الإعداد تحديات عدة، من بينها اختلاف مواقف شركات التكنولوجيا، إذ امتنعت بعض الشركات عن تبني مدونات السلوك الطوعية التي طرحتها المفوضية، ما زاد من أهمية الصلاحيات القانونية الجديدة.
كما واجه مكتب الذكاء الاصطناعي تحديات مرتبطة باستقطاب الكفاءات، في ظل المنافسة مع شركات التكنولوجيا العالمية التي تقدم رواتب مرتفعة للباحثين والخبراء في هذا المجال.
ويقود وحدة سلامة الذكاء الاصطناعي مسؤولون يتمتعون بخبرات في السياسات الأوروبية وإدارة ملفات التكنولوجيا والابتكار، بينما يضم الفريق خبراء سبق لبعضهم العمل في شركات تكنولوجية كبرى أو المشاركة في تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل انتقالهم إلى المفوضية الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، أعلنت المفوضية أنها تعتزم توسيع مكتب الذكاء الاصطناعي خلال الفترة المقبلة عبر تعيين موظفين إضافيين، بما يعزز قدرته على متابعة التطور السريع في هذا القطاع.
ويرى محللون أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى ترسيخ نفسه كأول جهة عالمية تضع إطاراً تنظيمياً ملزماً للذكاء الاصطناعي، على غرار ما فعله سابقاً في مجال حماية البيانات الشخصية من خلال اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR).
ويشير خبراء إلى أن هذه القواعد قد تدفع شركات التكنولوجيا العالمية إلى إدخال تعديلات على نماذجها ومنتجاتها لضمان استمرار وصولها إلى السوق الأوروبية، التي تعد واحدة من أكبر الأسواق الرقمية في العالم.
من جانبها، أكدت شركات عاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي استعدادها لمواصلة التعاون مع الجهات التنظيمية الأوروبية، مشيرة إلى أنها شاركت خلال الأشهر الماضية في مشاورات فنية بشأن تطبيق القانون وآليات الامتثال له.

