أثارت أزمة التدفق الجماعي للمهاجرين إلى مدينة سبتة الإسبانية موجة من الجدل السياسي في إسبانيا، مع تصاعد الاتهامات الموجهة إلى المغرب من قبل أحزاب اليمين واليسار، في وقت واصلت فيه حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز تجنب تحميل الرباط المسؤولية المباشرة، مفضلة التركيز على شبكات تهريب البشر باعتبارها المحرك الرئيسي للأحداث.
ووصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وصول نحو 50 ألف مهاجر إلى سبتة خلال الأيام الماضية بأنه “هجوم” و”انتهاك لسلامة الأراضي الإسبانية”، إلا أنه امتنع عن اتهام السلطات المغربية بالوقوف وراء ما جرى، معتبراً أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت الأوضاع لدفع آلاف الأشخاص نحو الحدود.
ورغم هذا الموقف الرسمي، تصاعدت الضغوط السياسية داخل إسبانيا، حيث طالب نواب ومسؤولون محليون الحكومة بتوضيح ملابسات ما حدث، معتبرين أن حجم التدفق لا يمكن تفسيره دون وجود تساؤلات بشأن أداء السلطات المغربية على الحدود.
وقال النائب عن حزب “ماس مدريد” اليساري إدواردو روبينيو إن المغرب “يستخدم البشر لمهاجمة السيادة الإسبانية”، داعياً إلى تسمية الأمور بأسمائها وعدم تجاهل ما وصفه بالمسؤولية السياسية للرباط.
من جانبه، اعتبر رئيس بلدية سبتة خوان خيسوس فيفاس، المنتمي إلى حزب الشعب المحافظ، أن ما شهدته المدينة لا يمكن وصفه بأنه مجرد “أزمة هجرة”، مشيراً إلى أن كثيرين باتوا يعتقدون أن تدفق المهاجرين “إما تم تدبيره أو جرى السماح به” من الجانب المغربي.
وأضاف أن الحكومة الإسبانية مضطرة للحفاظ على التعاون مع المغرب في ملفات الهجرة، لكنه قال إن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الرباط “لم تعد شريكاً يمكن الوثوق به”، بحسب تعبيره.
وفي المقابل، شددت الحكومة الإسبانية على أهمية استمرار التعاون مع المغرب، مؤكدة أن العلاقات الثنائية ما تزال قوية، خاصة في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإسبانية إن التنسيق مع الرباط لا يزال قائماً، واصفاً المغرب بأنه “شريك مهم” في إدارة قضايا الحدود والهجرة.
وخلال زيارته إلى سبتة، أشاد سانشيز بالمساعدة المغربية في إعادة آلاف المهاجرين الذين دخلوا المدينة بصورة غير نظامية، مؤكداً أن التعاون بين البلدين يمثل عنصراً أساسياً لمعالجة الأزمة.
أما السلطات المغربية، فقد التزمت الصمت في الأيام الأولى للأحداث، قبل أن يعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية رشيد الخلفي أن ما جرى كان نتيجة حملات تضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي أوهمت آلاف الأشخاص بسهولة الوصول إلى أوروبا دون تبعات قانونية.
وأكد الخلفي أن المغرب سيواصل التزامه بالتعاون الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر، مشدداً على أن المملكة تظل “شريكاً موثوقاً ومسؤولاً” في هذا المجال.
وفي السياق ذاته، طالب زعيم حزب الشعب المعارض ألبرتو نونيز فيخو الحكومة الإسبانية بتوضيح أسباب ما وصفه بفشل التعاون مع المغرب، مؤكداً أن مدريد من حقها مطالبة الرباط بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بحماية الحدود.
ورغم انتقاداته للمغرب، ركز حزب الشعب هجومه السياسي على حكومة سانشيز، متهماً إياها بالتقصير في الاستعداد للأزمة رغم التحذيرات الأمنية المسبقة.
وكان وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا قد قال إن جهاز الاستخبارات الإسباني لم يقدم تحذيرات مسبقة بشأن احتمال وقوع تدفق جماعي للمهاجرين، إلا أن وسائل إعلام إسبانية نقلت عن مصادر استخباراتية أن الحكومة تلقت بالفعل إنذارات قبل الأزمة، تضمنت احتمال حدوث موجة عبور كبيرة نحو سبتة، كما حذر مكتب اللجوء والهجرة في يوليو من أن تزايد محاولات العبور سباحة قد يؤدي إلى أزمة واسعة في المدينة.
واتهمت المتحدثة باسم حزب الشعب إستر مونيوز حكومة سانشيز بتجاهل تلك التحذيرات، معتبرة أن السلطات كانت على علم بإمكانية وقوع الأزمة لكنها لم تتخذ الإجراءات الكافية لمنعها، الأمر الذي زاد من حدة الجدل السياسي حول إدارة واحدة من أكبر موجات الهجرة التي شهدتها سبتة في السنوات الأخيرة.

