قال نائب رئيس الوزراء الأوكراني ووزير الطاقة دينيس شميهال إن المواجهة المتصاعدة بين أوكرانيا وروسيا ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية للطرفين قد تكون العامل الحاسم في تحديد مسار الحرب وإمكانية التوصل إلى أي تسوية سياسية خلال الأشهر المقبلة، مؤكداً أن كييف تراهن على استنزاف القدرات الروسية بالتوازي مع تشديد العقوبات الغربية.
وأوضح شميهال، في مقابلة مع صحيفة بوليتيكو، أن موسكو تسعى إلى تدمير منظومة الطاقة الأوكرانية بهدف شل الاقتصاد وإضعاف القدرة العسكرية ودفع المجتمع الأوكراني إلى الضغط على قيادته للقبول بشروط روسيا.
وقال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “يريد القضاء على نظام الطاقة لدينا وتعطيل اقتصادنا وإنتاج الأسلحة، كما يأمل أن ينهار المجتمع الأوكراني خلال الشتاء بسبب الإرهاق، بما يدفع القيادة إلى توقيع الاستسلام”.
وأضاف أن أوكرانيا ترد على هذه الاستراتيجية من خلال تكثيف الضربات بعيدة المدى ضد مصافي النفط الروسية، مشيراً إلى أن تلك الهجمات أدت إلى تعطيل نحو 40% من الطاقة الأساسية لتكرير النفط في روسيا، وأسهمت في تفاقم نقص الوقود داخل البلاد.
وشبّه شميهال المواجهة الحالية بجولة حاسمة في مباراة ملاكمة، قائلاً إن “كل طرف ينتظر سقوط الآخر أولاً”، معرباً عن أمله في أن تؤدي الضربات الأوكرانية، إلى جانب العقوبات الغربية، إلى دفع موسكو نحو إنهاء الحرب خلال الخريف المقبل.
ورغم ذلك، أقر الوزير الأوكراني بأن هذا السيناريو قد لا يتحقق، الأمر الذي يعني استعداد بلاده لخوض شتاء جديد من الهجمات الروسية الواسعة على منشآت الطاقة، بعد الحملة التي تعرضت لها البنية التحتية خلال الشتاء الماضي.
وأشار إلى أن روسيا لم تعد تركز فقط على استهداف الكهرباء والتدفئة، بل توسعت عملياتها لتشمل منشآت المياه، موضحاً أن انقطاع المياه والصرف الصحي لفترات طويلة يشكل خطراً مباشراً على السكان.
وأكد أن كييف تحتاج بصورة عاجلة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي، وخاصة صواريخ PAC-3 الخاصة بمنظومات “باتريوت”، لاعتراض الصواريخ الباليستية الروسية، مشيراً إلى أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي وضع هدفاً يتمثل في امتلاك 300 صاروخ اعتراضي.
وأضاف أن انخفاض المخزونات الأمريكية نتيجة الحرب مع إيران دفع أوكرانيا إلى مطالبة حلفائها بالضغط على دول أوروبية، بينها إسبانيا واليونان، لتزويدها بمزيد من الصواريخ الاعتراضية.
وفي السياق ذاته، أكد زيلينسكي أن استمرار العمليات العسكرية ضد روسيا وتشديد العقوبات الاقتصادية يمثلان أولوية بالنسبة لكييف، معتبراً أن الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي قد لا يترك لموسكو خياراً سوى القبول بالسلام، رغم توقعه أن يحاول الكرملين إطالة أمد الحرب.
وكشف شميهال أن الحكومة الأوكرانية تعمل بالتوازي على تعزيز قدرة البنية التحتية على الصمود، من خلال إنشاء هياكل حماية لمنشآت الكهرباء والمياه والغاز، إلى جانب نشر مولدات ومحطات طاقة صغيرة موزعة جغرافياً يصعب استهدافها مقارنة بمحطات الطاقة التقليدية.
وأوضح أن انقطاع الكهرباء لا يؤثر فقط في حياة السكان، بل يعطل إنتاج الأسلحة وتشغيل المستشفيات وضخ المياه واستمرار النشاط الصناعي، مؤكداً أن أوكرانيا طورت قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات منذ بدء الحرب.
وأشار الوزير إلى أن إنتاج الكهرباء في أوكرانيا تراجع بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، بعدما انخفض من 54.5 غيغاواط قبل عام 2014 إلى نحو 32 غيغاواط بعد الغزو الروسي، ثم هبط خلال العام الجاري إلى نحو 12 غيغاواط فقط عقب موجات القصف الأخيرة، ما تسبب بعجز يقدر بنحو ستة غيغاواط وفرض عمليات تقنين وانقطاع للكهرباء في مختلف أنحاء البلاد.
وأضاف أن أكثر من 80% من محطات توليد الطاقة الأوكرانية تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة نتيجة الهجمات الروسية.
وأكد شميهال أن بلاده تحتاج أيضاً إلى تمويل إضافي لتعزيز قطاع الطاقة قبل الشتاء، موضحاً أن صندوق دعم الطاقة الأوكراني، الذي تديره أمانة جماعة الطاقة الأوروبية، تلقى حتى الآن مساهمات من نحو 40 دولة ومنظمة بقيمة 2.1 مليار يورو، إلا أن كييف ما زالت بحاجة إلى 500 مليون يورو إضافية لتأمين المعدات الاحتياطية.
وأشار كذلك إلى حاجة شركة “نافتوغاز” الحكومية إلى نحو 400 مليون يورو لإصلاح الأضرار التي لحقت بمنشآتها جراء الهجمات الروسية، معرباً عن أمل بلاده في الحصول على دعم كندي لهذا الغرض.
واختتم الوزير الأوكراني حديثه بالتأكيد أنه يفضل أن تدرك موسكو استحالة تحقيق نصر عسكري وتتجه نحو اتفاق سلام خلال الخريف، لكنه استبعد في الوقت نفسه تراجع الكرملين عن مطالبه، معتبراً أن احتمال اندلاع “حرب طاقة” جديدة خلال الشتاء يبقى قائماً، مضيفاً: “قد يجرنا بوتين إلى شتاء آخر، لكننا مستعدون له وسنتجاوزه”.

