تحول ملف الدعم العسكري لأوكرانيا إلى أحد أبرز محاور الصراع السياسي في إيطاليا، مع احتدام المنافسة بين الأحزاب استعداداً للانتخابات العامة المقررة العام المقبل، وسط انقسامات داخل معسكري اليمين واليسار بشأن استمرار تزويد كييف بالأسلحة.
وأثار رئيس الوزراء الإيطالي السابق وزعيم حركة “خمس نجوم” جوزيبي كونتي جدلاً سياسياً واسعاً بعدما أعلن رفض حزبه دعم شحنات عسكرية إضافية إلى أوكرانيا، داعياً إلى إعطاء الأولوية للمفاوضات السياسية لإنهاء الحرب.
وقال كونتي إن حزبه دعم في بداية الحرب إرسال مساعدات عسكرية بسبب اختلال ميزان القوى بين روسيا وأوكرانيا، لكنه يرى اليوم أن كييف تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، الأمر الذي يستدعي التحول من خيار التسليح إلى خيار التفاوض.
واقترح زعيم “خمس نجوم” حسم الموقف النهائي من استمرار الدعم العسكري عبر انتخابات تمهيدية داخل معسكر يسار الوسط، يختار خلالها الناخبون قائد الائتلاف الانتخابي المقبل، معتبراً أن القرار يجب أن يعود للإيطاليين.
وأكد أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تقوم على الحوار مع كل من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مع ضمان الحفاظ على مصالح أوكرانيا ضمن أي اتفاق سلام محتمل.
كما أعلن معارضته زيادة الإنفاق الدفاعي، وهو أحد أبرز تعهدات حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي تسعى لرفع الإنفاق العسكري الإيطالي بما يتماشى مع أهداف حلف شمال الأطلسي.
وأثارت تصريحات كونتي ردود فعل حادة داخل معسكر يسار الوسط، إذ رفضت زعيمة الحزب الديمقراطي إيلي شلاين فكرة ربط سياسة أوكرانيا بنتائج الانتخابات التمهيدية، مؤكدة أن الاتفاق على البرنامج السياسي يجب أن يسبق اختيار زعيم الائتلاف.
وشددت شلاين على أن المرشح الذي يقود التحالف يجب أن يلتزم بالبرنامج الذي تتوافق عليه جميع القوى المشاركة، وليس بمواقف حزبه فقط.
بدوره، أكد وزير الدفاع الإيطالي السابق لورينزو غيريني، أحد أبرز قيادات الحزب الديمقراطي، أن دعم أوكرانيا عسكرياً يمثل موقفاً ثابتاً وغير قابل للتفاوض بالنسبة للحزب، محذراً من أن أي محاولة لإضعاف وحدة تحالف يسار الوسط قد يتحمل مسؤوليتها من يدفع بهذا الاتجاه.
وفي المقابل، لا يقتصر الانقسام حول أوكرانيا على أحزاب المعارضة، إذ يواجه الائتلاف الحاكم أيضاً تباينات بشأن الملف، حيث يبدي حزب الرابطة اليميني تحفظات على استمرار إرسال الأسلحة إلى كييف، كما يعارض زيادة الإنفاق الدفاعي.
ورغم هذه التباينات، وجهت شخصيات بارزة في الحكومة انتقادات مباشرة إلى كونتي، معتبرة أن مواقفه تصب في مصلحة روسيا.
وقال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أنطونيو تاجاني إن على أحزاب اليسار توضيح موقفها من الحرب، متسائلاً عما إذا كانت تقف إلى جانب الشعب الأوكراني أم إلى جانب روسيا.
ويأتي هذا الجدل في وقت تستعد فيه إيطاليا لانتخابات قد تُجرى في وقت مبكر من الربيع المقبل، وسط تقارب في استطلاعات الرأي بين كتلة اليمين بقيادة ميلوني وتحالف يسار الوسط.
وفي حال فشل ميلوني في تشكيل الحكومة المقبلة، تشير التقديرات إلى احتمال توسيع تحالفها ليضم حزب “المستقبل الوطني” اليميني بقيادة الجنرال السابق روبرتو فاناتشي، رغم أن الحزب يعارض بدوره استمرار تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا.
وتعكس هذه الانقسامات أيضاً توجهات الرأي العام الإيطالي، إذ تظهر استطلاعات حديثة أن الإيطاليين من أقل الشعوب في أوروبا الغربية تأييداً لاستمرار دعم أوكرانيا، بينما تظل المساعدات العسكرية الإيطالية لكييف من بين الأدنى على مستوى الدول الأوروبية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتوقع مراقبون أن يتحول ملف الحرب في أوكرانيا والإنفاق الدفاعي إلى أحد أبرز القضايا التي ستحدد شكل التحالفات السياسية وبرامج الأحزاب، في ظل استمرار الانقسام الداخلي حول طبيعة الدور الذي ينبغي لإيطاليا أن تلعبه في الصراع الدائر بين موسكو وكييف.

