تواجه مشاريع صحية ممولة من الاتحاد الأوروبي خطر التعطل بعد اندلاع خلاف بين المفوضية الأوروبية وعدد من الدول الأعضاء بشأن تمويل المنظمات غير الحكومية العاملة في قطاع الصحة، ما أدى إلى تأخير إقرار ميزانية برنامج الصحة الأوروبي لعام 2026 وتعليق تنفيذ عدد من المبادرات الحيوية.
واعترضت سبع دول أوروبية على الأقل، تقودها فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، مرتين على مشروع الميزانية الذي قدمته المفوضية الأوروبية، معتبرة أنه لا يوفر تمويلاً كافياً للمنظمات غير الحكومية التي تمثل المرضى والأطباء والعاملين في القطاع الصحي، وتشارك في مناقشة السياسات الصحية داخل الاتحاد الأوروبي.
وأدى استمرار الخلاف إلى تعطيل إطلاق المناقصات العامة وبرامج المنح الخاصة بالمشروعات الصحية، بما في ذلك برامج تدريب خبراء تقييم الأدوية، وتعزيز منظومات الأمن الصحي، وإنشاء منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة صحة الدماغ، في انتظار التوصل إلى اتفاق بشأن التمويل.
كما امتد تأثير الأزمة إلى خطط هيئة التأهب والاستجابة للطوارئ الصحية التابعة للمفوضية الأوروبية، والتي كانت تعتزم تنفيذ مشاريع تشمل توسيع مرافق إنتاج اللقاحات، وإنشاء مركز أوروبي جديد لتطوير تقنيات التشخيص المتقدمة، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع بات مرهوناً بإقرار الميزانية الجديدة أو توفير تمويل بديل.
ويعود أصل الخلاف إلى قرار المفوضية الأوروبية إنهاء المنح التشغيلية التي كانت تُقدم للمنظمات غير الحكومية العاملة في القطاع الصحي، وهي منح استمرت لعقود بهدف تمكين مؤسسات المجتمع المدني من المشاركة في رسم السياسات الصحية إلى جانب الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
وبررت المفوضية قرارها بتراجع مخصصات برنامج “الاتحاد الأوروبي من أجل الصحة”، بعد خفض ميزانيته من 5.8 مليار يورو إلى 4.6 مليار يورو في عام 2025، نتيجة إعادة توجيه جزء من الأموال لدعم أوكرانيا.
ورغم أن المفوضية عدلت مقترحها لاحقاً بإضافة 1.3 مليون يورو كمنح تشغيلية للمنظمات غير الحكومية، فإن عدداً من الدول اعتبر المبلغ غير كافٍ، مشيراً إلى أنه لا يمثل سوى جزء بسيط من التمويل الذي كانت تحصل عليه تلك المنظمات في السنوات السابقة.
وصوتت أربع عشرة دولة لصالح المشروع المعدل، مبررة موقفها بالحاجة الملحة لاعتماد الميزانية وعدم تعطيل البرامج الصحية، فيما واصلت دول أخرى رفضها للمقترح، مؤكدة أن وقف التمويل يهدد دور المجتمع المدني في عملية صنع القرار الصحي داخل الاتحاد الأوروبي.
وترى الدول المعترضة أن تقليص الدعم المخصص للمنظمات غير الحكومية سيؤدي إلى إضعاف تمثيل المرضى والعاملين في القطاع الصحي، ويمنح جماعات المصالح التجارية نفوذاً أكبر في صياغة السياسات الأوروبية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بصناعات الأدوية والتبغ والكحول.
كما حذرت من أن عدداً من المنظمات غير الحكومية بدأ بالفعل تقليص أنشطته أو إغلاق مكاتبه في بروكسل بسبب نقص التمويل، وهو ما قد يؤثر في قدرة المجتمع المدني على المشاركة في النقاشات التشريعية والصحية مستقبلاً.
واتهمت الدول الأوروبية المفوضية بتجاهل التحذيرات التي وجهتها خلال العامين الماضيين بشأن ضرورة الحفاظ على التمويل المخصص للمنظمات غير الحكومية، معتبرة أن التأخر في إعداد مشروع الميزانية وعدم إجراء مشاورات كافية مع الدول الأعضاء أسهما في تفاقم الأزمة.
وفي المقابل، أكدت المفوضية الأوروبية أنها أجرت مشاورات مع الحكومات وفق الإجراءات المعمول بها، وأنها تدرس الخيارات المتاحة للخروج من المأزق الحالي، دون تقديم جدول زمني لحسم الخلاف.
ويهدد استمرار النزاع بتأخير تنفيذ عدد من المبادرات الصحية الأوروبية خلال عام 2026، في وقت تواجه فيه دول الاتحاد تحديات متزايدة تتعلق بالأمن الصحي، والاستعداد للأوبئة، وتطوير الابتكار الطبي، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات المستقبلية.

