تتصاعد المخاوف في أوروبا من احتمال مواجهة أزمة جديدة في إمدادات الغاز خلال الشتاء المقبل، وسط تباطؤ ألمانيا، أكبر مستهلك للغاز في الاتحاد الأوروبي، في إعادة ملء احتياطياتها، الأمر الذي يهدد بارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط على أمن الإمدادات في مختلف أنحاء القارة.
وتشير بيانات قطاع الطاقة إلى أن احتياطيات الغاز الأوروبية انخفضت إلى نحو 58% من الطاقة التخزينية، وهو مستوى يقل بنحو 16 نقطة مئوية عن متوسط السنوات الخمس الماضية، ويعد الأدنى منذ عام 2011، في ظل استمرار تداعيات الحرب الإقليمية واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وتبرز ألمانيا باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في منظومة الطاقة الأوروبية، إذ تمثل منشآت التخزين لديها أكثر من 20% من إجمالي السعة التخزينية للغاز في الاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي تأخر في إعادة تعبئة مخزونها ينعكس مباشرة على أسعار الغاز وأمن الإمدادات في الدول المجاورة.
ووفق أحدث البيانات، بلغت نسبة امتلاء مخازن الغاز الألمانية نحو 47% فقط من طاقتها، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله خلال هذه الفترة من العام منذ بدء توثيق البيانات.
وأدى هذا الوضع إلى تصاعد الدعوات داخل قطاع الطاقة الأوروبي لتدخل الحكومة الألمانية بصورة مباشرة وإلزام شركات الطاقة الكبرى المملوكة للدولة بشراء كميات إضافية من الغاز، حتى وإن تم ذلك بأسعار مرتفعة، لضمان الوصول إلى مستويات آمنة قبل حلول فصل الشتاء.
إلا أن برلين ما زالت تتمسك بسياسة الاعتماد على آليات السوق، وترفض التدخل الحكومي المباشر في عمليات الشراء، معتبرة أن مسؤولية ملء مرافق التخزين تقع على عاتق الشركات والتجار.
وقالت وزارة الاقتصاد والطاقة الألمانية إن تدخل الحكومة في شراء الغاز قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الأسواق ورفع الأسعار بصورة أكبر، مؤكدة أن الوضع سيظل محل متابعة خلال الأشهر المقبلة.
وتأتي هذه التطورات رغم التزامات الاتحاد الأوروبي التي فرضت عقب أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تلزم الدول الأعضاء بالحفاظ على مستويات مرتفعة من احتياطيات الغاز قبل الشتاء.
وكان الاتحاد الأوروبي قد خفّض مؤخراً هدف التخزين من 90% إلى 80% بهدف الحد من المنافسة الحادة على شراء الغاز وتخفيف الضغوط السعرية في الأسواق العالمية.
ويرى مختصون أن الأسواق فقدت الحوافز التقليدية لإعادة التخزين، بعدما أصبحت أسعار الغاز خلال فصل الصيف أعلى من المعتاد نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية وارتفاع الطلب العالمي، وهو ما قلص الجدوى الاقتصادية التي كانت تعتمد عليها الشركات في شراء الغاز صيفاً وبيعه شتاءً.
كما ساهمت التوترات المرتبطة بمضيق هرمز في زيادة الضغوط على أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بشكل ملحوظ مقارنة بالمستويات التي سجلتها في الأشهر الأولى من الأزمة الإقليمية.
ورغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن القارة لا تواجه حالياً خطراً مباشراً على إمدادات الطاقة، فإن تقديرات صادرة عن مؤسسات متخصصة تشير إلى أن مستويات التخزين قد لا تتجاوز 65% بحلول نوفمبر المقبل، وهو ما يقل كثيراً عن المستويات المستهدفة، ما لم تشهد الأسواق ارتفاعاً إضافياً في الأسعار يحفز عمليات الشراء.
ويحذر خبراء الطاقة من أن اعتماد أوروبا المتزايد على واردات الغاز الطبيعي المسال بدلاً من العقود طويلة الأجل مع روسيا جعل القارة أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، إذ يمكن تحويل شحنات الغاز بسهولة إلى الأسواق التي تقدم أسعاراً أعلى، خاصة في آسيا.
كما زادت هذه المخاطر مع تراجع الإمدادات القادمة من بعض المنتجين الرئيسيين وارتفاع الطلب الآسيوي، ما أدى إلى منافسة قوية على الشحنات المتاحة في الأسواق العالمية.
ويرى محللون أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد قدرة أوروبا على تجاوز الشتاء دون أزمة جديدة، إذ سيعتمد ذلك بدرجة كبيرة على الأحوال الجوية واستقرار طرق الإمداد العالمية.

