قواعد روسية في ليبيا تتحول إلى مركز لوجستي لعمليات موسكو في الساحل الأفريقي

تحوّلت القواعد العسكرية الروسية المنتشرة في ليبيا من مواقع لدعم حلفاء موسكو داخل الأراضي الليبية إلى منصة إقليمية تُدار منها عمليات ما يُعرف بـ”الفيلق الأفريقي الروسي” في منطقة الساحل، وفق معلومات لمصادر عسكرية وأمنية وتقارير استخباراتية مفتوحة وتحليلات خبراء، في تحول يعكس اتساع المشروع الروسي جنوب الصحراء بعد تراجع النفوذ الغربي، ولا سيما الفرنسي.
هجوم مالي الذي كشف الشبكة
برز هذا الدور بوضوح عقب الهجوم الواسع الذي شهدته مالي في 25 أبريل/نيسان 2026، ونفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد. ولم تقتصر الهجمات المنسقة على مواقع عسكرية في الشمال، بل امتدت إلى محيط العاصمة باماكو، وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، أحد أبرز مهندسي التحالف العسكري مع موسكو بعد إنهاء الشراكة مع فرنسا.
وكانت تلك المرة الأولى التي يُستهدف فيها بصورة متزامنة الجيش المالي وعناصر الفيلق الروسي المنتشرون إلى جانبه، ما أدى إلى انسحاب القوات المالية والروسية من مواقع عدة بينها كيدال وتيساليت وأغلهوك، وإعادة تمركزها قرب خطوط الإمداد الرئيسية. وسارعت موسكو بعد الهجوم إلى تعزيز دعمها العسكري لباماكو، مستفيدة من شبكة قواعدها في ليبيا لنقل الأفراد والمعدات.
الجفرة وتمنهنت ومعطن السارة
وتشير المعطيات إلى أن موسكو اعتمدت خلال الأشهر الأخيرة بصورة متزايدة على قواعدها في وسط ليبيا وجنوبها، وفي مقدمتها الجفرة وتمنهنت ومعطن السارة، لنقل الأفراد والأسلحة والذخائر إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وتتولى قاعدة الجفرة استقبال طائرات الشحن العسكرية القادمة من روسيا، بينما تُستخدم تمنهنت ومعطن السارة نقاطاً متقدمة لإعادة توزيع المعدات والأفراد نحو دول الساحل.
وأظهرت صور أقمار صناعية وتقارير استخباراتية غربية توسعاً في البنية التحتية داخل هذه القواعد، مع زيادة في حركة الطائرات العسكرية الروسية. ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي أن ما جرى في مالي كشف حجم الدور الذي تؤديه ليبيا في المشروع الروسي بأفريقيا، وأن القواعد هناك لم تعد مرتبطة بالملف الليبي وحده، بل صارت جزءاً من منظومة إقليمية تدعم انتشار الفيلق في دول الساحل.
لماذا عادت الجزائر إلى الواجهة
وعلى المسار السياسي، تكشف المعلومات أن الكرملين شجّع خلال الأسابيع الأخيرة على إعادة فتح قنوات الاتصال بين الجزائر والسلطات المالية، بعدما بلغت العلاقات بين الجانبين مرحلة غير مسبوقة من التوتر. وشاركت في الجهود التي قادت إلى إعادة التواصل أطراف أفريقية عدة، بينها الكونغو والنيجر وتوغو.
ويقول حرشاوي إن روسيا قادرة على توفير الغطاء العسكري والدعم اللوجستي للمجلس العسكري المالي، لكنها تدرك في المقابل أن الجزائر تبقى لاعباً إقليمياً أساسياً في أي تسوية طويلة الأمد، بحكم علاقاتها التاريخية مع الفاعلين المحليين وتأثيرها في ملفات الأمن والوساطة داخل المنطقة.
حدود التفوق اللوجستي
ويرى الباحث الجزائري أكرم خريف أن تجربة مالي تؤكد أن روسيا نجحت في بناء منظومة إمداد وانتشار أكثر تطوراً من مرحلة “فاغنر”، إلا أن تثبيت هذا النفوذ سيظل مرتبطاً بقدرة الحلفاء المحليين على إدارة الصراعات الداخلية. وتشير تقديرات نشرها موقع “Intelligence Africa” إلى أن القوات المالية والروسية استعادت خلال العامين الماضيين عدداً من المدن الرئيسية، لكنها واجهت صعوبة في الحفاظ على سيطرة مستقرة على المناطق الصحراوية الشاسعة.
ووفق تقارير دولية، يختلف نموذج الفيلق الأفريقي عن تجربة مجموعة فاغنر السابقة؛ فبينما ركزت الأخيرة على تنفيذ العمليات القتالية المباشرة، يعمل الفيلق ضمن استراتيجية أوسع تجمع بين الانتشار العسكري وبناء قواعد دائمة وتأمين خطوط الإمداد وربطها بمصالح موسكو الاقتصادية والجيوسياسية في القارة. ويرى مراقبون أن المنافسة الدولية في أفريقيا لم تعد محصورة بين روسيا والغرب، بل باتت مرتبطة بالسيطرة على الممرات الاستراتيجية وشبكات النقل العسكري وموارد الطاقة والمعادن ومناطق كانت تخضع تاريخياً للنفوذ الفرنسي.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

