في كتابه الأخير «عالم الأمس»، الذي أنجزه شتيفان تزفايغ قبل انتحاره في البرازيل عام 1942، يخصص الفصل المتعلق بثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، مساحة مهمة لتوضيح موقفه من المشروع السياسي الذي نشأ في أوروبا. وقد لفت الانتباه إلى أن النسخة العربية المترجمة عن دار المدى عام 2007 حذفت الصفحات التي تتناول هذه العلاقة، بينما احتفظت الترجمة الإنجليزية الصادرة عن دار فايكنغ في نيويورك بالنص كاملاً، مما يحرم القارئ العربي من فهم محطة حيوية في حياة الكاتب ومواقفه الفكرية.
لقاءات مع مؤسس الصهيونية
لم يكن لقاء تزفايغ بهرتزل في فيينا بدافع الانجذاب الفكري للصهيونية، بل كان احترافياً بحتاً؛ فقد كان تزفايغ محرراً مسؤولاً عن الملحق الأدبي لجريدة «نويه فراي برس»، وكان هرتزل يبحث عن دعم صحفي لمشروعه الجديد. وقد أعجب هرتزل بمقال كتبه تزفايغ وشجعه على الاستمرار، ليصبح أول من مدح الكتاب الشاب ووصفه بأنه من المواهب الواعدة. وعلى الرغم من هذا الإعجاب المتبادل والتقدير المهني، فإن تزفايغ قاوم جميع محاولات هرتزل لإقناعه بالانضمام إلى الحركة الصهيونية.
يرصد تزفايغ في نصه السياق التاريخي الذي ظهر فيه هرتزل، حيث كانت الصهيونية تياراً هامشياً وغير مقبول على نطاق واسع بين اليهود الأوروبيين المندمجين. فقد عارض كبار الحاخامات، مثل كبير حاخامات فيينا مورتز غودمان، أفكار هرتزل دينياً وسياسياً، بينما آمن البورجوازيون اليهود بأن عصر التنوير سيختصر مشاكل التعصب الديني ومعاداة السامية، مما جعل فكرة الهجرة إلى فلسطين والتحدث بلغتها تبدو لهم غريبة وغبية. لم تلقِ أطروحات «الدولة اليهودية» التي نشرها هرتزل عام 1896 صدىً في فيينا، بل وجدت تأييداً قوياً في شرق أوروبا، خاصة في روسيا وبولندا.
الرفض المبدئي للوطن القومي
يعترف تزفايغ في رسائله الشخصية بأنه لم يفكر يوماً في زيارة فلسطين، ويؤكد أنه لم يشأ أبداً أن يصبح اليهود أمة مرة أخرى. ففي مراسلاته مع مارتن بوبر عام 1917، أوضح تزفايغ مخاوفه من أن تؤدي الصهيونية إلى تحويل اليهود إلى دولة تقليدية تحمل مدافع وأعلاماً وأنواطاً، مما ينفي المثالية الروحية التي ارتبطت بالشتات اليهودي. أحب تزفايغ الشتات ورآه تعبيراً عن الهوية اليهودية الكونية، وخشي من انجرار اليهود إلى صراعات الأمم القومية التي كانت تجتاح أوروبا آنذاك.
على الرغم من رفضه للصهيونية كمشروع سياسي، إلا أن تزفايغ لم يكن معادياً لليهود أو لهرتزل شخصياً. فقد حضر جنازة هرتزل عام 1904، وأعرب عن إعجابه بالأمل الذي حملته أفكار الرجل، رغم إدراكه لاحقاً، كما يشير ماكس نورداو بعد سنة من وفاة هرتزل، أن نسبة اليهود الصهاينة كانت ضئيلة جداً مقارنة بالعدد الإجمالي لليهود في العالم.
يصف تزفايغ نفسه بأنه لم يكن صهيونياً بسبب رفضه للقومية وتفضيله للكوزموبوليتية الأوروبية، وهو ما اتهمه به البعض بالسذاجة. وفي ختام حياته في المنفى، يكتب تزفايغ مشاعر الذنب تجاه سعادته الشخصية بينما يعاني آخرون من الاضطهاد، رافضاً فكرة أن اليهود فئة مختارة أو أفضل من غيرهم، مؤكداً تضامنه مع الذين يُلاحقون ويُطردون في أوروبا.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.