في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في أولويات السياسة الخارجية الألمانية، أكد يوهان فاديفول، وزير الخارجية الألماني، أن بلاده تنظر إلى الجزائر بوصفها شريكاً استراتيجياً محورياً في مجالي الطاقة والأمن. وجاء هذا التأكيد الصريح قبيل توجه الوزير الألماني إلى الجزائر ضمن زيارة عمل رسمية تشمل أيضاً تونس، وذلك في إطار جولة أوسع عبر شمال أفريقيا ترافقه خلالها بعثة من رجال الأعمال الألمان.
وأوضح فاديفول في تصريحات نشرتها وزارة الخارجية الألمانية، أن أهمية الدور الجزائري في المعادلة الإقليمية والدولية مرشحة للارتفاع بشكل ملحوظ خلال السنوات المقبلة. ويرى المسؤول الألماني أن هذا الارتفاع يعود بشكل أساسي إلى الإمكانات الهائلة التي تمتلكها الجزائر في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، مما يجعلها ركيزة أساسية في مستقبل الطاقة الأوروبي.
وشدد الوزير الألماني على أن الجزائر تعد بالفعل أحد أهم موردي الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي حالياً. ومع ذلك، فإن موقع البلاد في منظومة الطاقة الأوروبية لا يقتصر على هذا الجانب التقليدي، بل يتوقع له مزيد من التعاظم كمورد مستقبلي رئيسي للهيدروجين الأخضر. يأتي هذا التوجه في وقت تسعى فيه أوروبا بجدية إلى تنويع مصادر إمداداتها الطاقوية وتقليص الاعتماد المتزايد على الواردات الروسية.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب زيارة رسمية قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين في يوليو الماضي. وأسفرت تلك الزيارة عن توقيع اتفاقيات تهدف إلى تعميق الشراكة الثنائية بين البلدين، لا سيما في قطاع الطاقة وتحولاته نحو المصادر النظيفة، بالإضافة إلى فتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري المشترك.
وأكد فاديفول أن الديناميكية الإيجابية السائدة في العلاقات بين ألمانيا والجزائر أمر مرحب به، وهو أمر ضروري في الوقت الراهن. وأشار إلى أن الهدف من هذه العلاقات هو تعزيز منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال تعاون أكثر كثافة، بما في ذلك الأبعاد الجيوسياسية لهذه الشراكة.
ويأتي التركيز المتزايد على الهيدروجين الأخضر كجزء من استراتيجية أوروبية أوسع للتحول نحو مصادر طاقة أكثر استدامة. وتلعب الجزائر دوراً متنامياً في هذا السياق، نظراً لمواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي الذي يسهل عمليات التصدير إلى القارة الأوروبية.
وتسعى ألمانيا، كأكبر اقتصاد في أوروبا، إلى ضمان أمن طاقوي مستقر ومستدام. ويعتبر تطوير شراكات قوية مع دول شمال أفريقيا، وعلى رأسها الجزائر، جزءاً لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية طويلة المدى.
ومن المتوقع أن تؤدي زيارة فاديفول إلى تعزيز الآليات المؤسسية للتعاون بين البلدين، خاصة في المجالات التقنية والمالية المتعلقة بمشاريع الهيدروجين. كما قد تسهم البعثة التجارية المرافقة له في إبرام صفقات استثمارية ملموسة تدعم البنية التحتية للطاقة النظيفة.
وتؤكد هذه التطورات على رغبة ألمانيا في إعادة هيكلة علاقاتها الطاقوية لتصبح أقل عرضة للصدمات الجيوسياسية، مع الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية. وتبرز الجزائر كخيار استراتيجي مثالي لتحقيق هذا التوازن.
وبالنظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الطرفين، تبدو هذه الخطوة تأكيداً على نضج الشراكة وانتقالها من مرحلة التبادل التجاري البسيط إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي في مجالات حيوية.
ويظل التحدي الأكبر أمام البلدين يتمثل في ترجمة الخطط والاتفاقيات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، بما يضمن تحقيق المنافع المتبادلة وتعزيز الأمن الطاقي الأوروبي بشكل عام.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.