لا تُعتبر الانتخابات العامة المقررة في البوسنة والهرسك مجرد سباق تقليدي على المناصب الرئاسية والبرلمانية، بل هي اختبار جوهري لنظام سياسي تأسس منذ أكثر من ثلاثين عاماً. فقد نجح نظام دايتون في مهمته الأساسية عند إنشائه، وهي منع عودة النزاع المسلح وإدارة التوازن الدقيق بين المكونات المختلفة للبلاد، لكنه لم ينجح بنفس الدرجة في الانتقال بالبلد من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة إدارة الدولة الفاعلة. وتشير ورقة تحليلية للكريم الماجري، المتخصص في شؤون البلقان وأوروبا الشرقية، إلى أن هذه الانتخابات التي ستجري في الرابع من أكتوبر تشرين الأول عام ألفين وستة وعشرين تمثل فرصة لإعادة تركيب موازين القوة داخل البلاد.
وتنظر الورقة إلى الاستحقاق الانتخابي باعتباره اختباراً مزدوجاً؛ فهو يختبر قدرة الأحزاب السياسية على تغيير توازن القوى من داخل النظام القائم، كما يختبر قابلية هذا النظام نفسه للتجدد بعد سنوات طويلة من إعادة إنتاج النخب والتوازنات السياسية ذاتها. وتبرز المفارقة الرئيسية في المشهد السياسي بأن المؤسسات التي صُممت أصلاً لحماية المكونات المختلفة ومنع هيمنة أي طرف على الآخر، أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من مشكلة الجمود السياسي المستشري.
فالتعدد الإثني الذي كان عنصراً أساسياً في تسوية ما بعد الحرب تحول تدريجياً إلى عامل يعيد إنتاج الانقسامات، فيما يمكن استخدام الآليات التي وضعت لضمان التوازن في تعطيل اتخاذ القرار العام. ومن هنا، يتحول السؤال الأهم من مجرد معرفة الفائز المحتمل إلى سؤال جوهري حول قدرة الفائز على الحكم فعلياً، وهل سيؤدي تغير نتائج الانتخابات إلى حدوث تغيير حقيقي في بنية السلطة القائمة.
ويبدأ تعقيد المشهد من طبيعة صندوق الاقتراع نفسه، فالناخبون لا يختارون حكومة أو برلماناً واحداً فقط، بل يشاركون في إعادة تشكيل شبكة واسعة ومتشابكة من المؤسسات الحكومية. ويشمل ذلك انتخاب أعضاء رئاسة الدولة الثلاثة، وأعضاء مجلس النواب في الجمعية البرلمانية للبوسنة والهرسك، ومجلس النواب في اتحاد البوسنة والهرسك، بالإضافة إلى رئيس ريبوبليكا صربسكا ونائبيه.
كما تشمل العملية الانتخابية اختيار أعضاء الجمعية الوطنية للكيان الصربي، إضافة إلى المجالس التشريعية للمقاطعات العشرة الموجودة داخل الكيان الاتحادي. وهذا التعقيد المؤسسي يجعل من الصعب عزل النتائج عن تأثيراتها على الهيكل العام للدولة، مما يطرح تحديات إضافية أمام أي كيان سياسي يسعى لتشكيل حكومة فعالة وقادرة على اتخاذ القرارات المصيرية في ظل هذا النظام المعقد.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.