أفادت صحيفة ليزيكو الفرنسية بأن السلطات السورية تعمل على إعادة صياغة دورها الإقليمي من خلال تحويل البلاد إلى مركز رئيسي لنقل الطاقة، مستغلة في ذلك الأزمة الراهنة التي تعصف بمضيق هرمز. ويأتي هذا المسعى في إطار رؤية الرئيس السوري أحمد الشرع الذي يسعى لجعل سوريا ممراً أساسياً للتصدير، بعيداً عن الطرق التقليدية المعقدة.
تمثل الفكرة المحورية لهذا المشروع الطموح إنشاء خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام، يربط بين الحقول العراقية وميناء بانياس على ساحل البحر المتوسط. وتهدف دمشق من وراء هذا الاستثمار الضخم إلى جذب كبرى شركات الطاقة العالمية، وعلى رأسها العملاق الفرنسي توتال إنيرجي، للمشاركة في تمويل وتنفيذ البنية التحتية المطلوبة.
كشف مصدر مطلع على تفاصيل الملف للصحيفة الفرنسية أن شركة توتال إنيرجي تجري حالياً مباحثات مع شركاء محتملين ضمن الائتلاف المزمع تشكيله، وتدرس إمكانية الحصول على حصة تقدر بنحو 10 بالمئة من إجمالي المشروع. وأكد المصدر أن الشركة الفرنسية تمتلك القدرة على الانخراط في هذا العمل بفضل مشروع GGIP للنمو المتكامل للغاز، وكذلك بفضل الثقة المتبادلة التي بنتها مع السلطات العراقية عبر السنوات الماضية.
في سياق متصل، أفادت التقارير بأن باتريك بويانيه، الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنيرجي، قد حسم موقفه إيجابياً بشأن المشاركة في المشروع خلال زيارته إلى دمشق في السابع من يوليو الماضي. وقد جاء ذلك بالتزامن مع زيارة رسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث أكد بويانيه أهمية سوريا كممر أساسي لنقل النفط العراقي دون المرور عبر مضيق هرمز.
من المتوقع أن يتم إدراج هذا الاستثمار النفطي ضمن إطار مشروع GGIP الأوسع، والذي تبلغ قيمته 10 مليارات دولار، وتنفذه الشركة الفرنسية في منطقة البصرة منذ عام 2021. ويشمل هذا المشروع مصادر متعددة للطاقة، مما يعزز التكامل بين العمليات الحالية والمشاريع الجديدة المقترحة.
تشير الصحيفة إلى أن حجم العمل المطلوب هائل، حيث قد تستغرق عمليات البناء وإعادة التأهيل نحو أربع سنوات كاملة. وتقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 15 مليار دولار، وهو مبلغ لا يقتصر على تشغيل بنية تحتية قائمة، بل يشمل إعادة بناء أجزاء واسعة من شبكة الخطوط القديمة التي تضررت بشكل كبير نتيجة الحروب والصراعات التي امتدت منذ ثمانينيات القرن الماضي.
في حال إنجاز المشروع بالكامل، سيصبح خط الأنابيب قادراً على نقل مليوني برميل من النفط الخام يومياً، وفقاً لما ذكره نائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط. وهذا الحجم من الإنتاج سيعزز بشكل ملحوظ القدرات اللوجستية السورية ويجعلها لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة الإقليمية.
إلى جانب المشروع الكبير، تشير البيانات إلى أنه منذ بداية أبريل الجاري، تنقل نحو 500 شاحنة صهريج عراقية الوقود إلى محطة بانياس يومياً. ويصل حجم هذه الشحنات إلى ما يقارب 650 ألف طن شهرياً، مما يشكل تدفقاً مستمراً للسلع عبر الحدود.
وبجمع العائدات الناتجة عن المسارين، أي خط الأنابيب المستقبلي والشحن الحالي، يمكن أن تحقق الدولة السورية إيرادات تتجاوز 300 مليون دولار سنوياً. وهذا الرقم يمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة ويعزز الاستقرار المالي للبلاد في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
يرى آلان عطاسي، المصرفي الاستثماري الفرنسي السوري والشريك في بنك N.M. Capital & Co، أن هذه الإيرادات قد تمثل أكثر من 7.5 بالمئة من إجمالي إيرادات الدولة السورية. كما يشير إلى أن أهمية المشروع لا تقتصر على رسوم العبور فحسب، بل تمتد لتشجيع استثمارات أوسع في البنية التحتية للطاقة وتطوير ميناء بانياس.
في الإطار العام لإعادة إعمار قطاع الطاقة، قدرت الحكومة السورية احتياجات التأهيل بأكثر من 30 مليار دولار. وهذا الرقم يقترب من قيمة الاستثمارات التي أعلنت دول الخليج اعتزامها ضخها في سوريا، والبالغة نحو 28 مليار دولار، مما يعكس الاهتمام الإقليمي الكبير بالمبادرة.
مع ذلك، حذر عطاسي من أن معظم هذه الالتزامات لا تزال في مرحلة مذكرات التفاهم أو المفاوضات الأولية، مما يعني أن الإعلان عنها لا يضمن تحولها تلقائياً إلى استثمارات فعلية على الأرض. وهناك فجوة بين النوايا السياسية والواقع التنفيذي.
في الختام، ترى ليزيكو أن تنفيذ خط النفط العراقي- السوري قد يمنح سوريا دوراً جديداً في خريطة طرق نقل الطاقة الإقليمية. فربط النفط العراقي بالبحر المتوسط يوفر مساراً بديلاً آمناً، رغم أن التحديات المتعلقة بالتمويل والأمن وإعادة تأهيل البنية التحتية تبقى عوامل حاسمة تحدد مستقبل هذا المشروع الطموح.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.