Site icon أوروبا بالعربي

بوليتيكو: فرنسا على حافة أزمة مالية واجتماعية

بوليتيكو: فرنسا على حافة أزمة مالية واجتماعية

تواجه فرنسا أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة تهدد استقرار البلاد قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل. يشير تقرير نشره موقع بوليتيكو الأوروبي إلى أن مئات الآلاف شاركوا في احتجاجات خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، مطالبين بتحسين رواتب المعلمين وإصلاح المدارس ودعم تكاليف المعيشة المرتفعة.

رغم احتواء السلطات لأعمال الشغب والنهب في الجولة الأولى للاحتجاجات يومي 17 و18 أكتوبر، إلا أن الاضطرابات تزيد قلق الأسواق المالية. كانت الأسواق تعاني أصلاً من ضغوط بسبب إخفاق الحكومة في خفض عجز الموازنة وتقليص الدين العام البالغ 3.5 تريليون يورو، بالإضافة إلى الحاجة لتحفيز النمو وإصلاح نظام المعاشات التقاعدية.

حذر رئيس الوزراء الفرنسي السابق ميشيل بارنييه من أن فرنسا تقف على حافة أزمة مالية، مشدداً على ضرورة إرسال إشارة واضحة للأسواق. يواجه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو خيارات صعبة في مشروع موازنة عام 2027 الذي يتضمن إجراءات لخفض الإنفاق وتحقيق وفورات بقيمة 43 مليار يورو، مما يقلص هامش المناورة أمام أي تخفيضات إضافية.

يتمثل الخيار الأول للحكومة في زيادة الاقتراض بما يحمّل الأجيال المقبلة أعباء فوائد إضافية، بينما يتمثل الثاني في التعويل على تراجع الاحتجاجات تلقائياً. نقل الموقع عن إريك لومبار، وزير الاقتصاد والمالية السابق، قوله إن الاحتجاجات تؤثر بوضوح في الأسواق، فيما حذر أحد الوزراء المجهول الهوية من ضيق هامش التحرك الحكومي.

قدرت التكاليف المباشرة لأعمال الشغب الأخيرة بعشرات الملايين من اليوروهات، مع توقع تغطية التأمين جزءاً كبيراً من الخسائر. يحذر التقرير من أن استمرار الاضطرابات قد يضاعف الضغوط على الاقتصاد الفرنسي ويزيد مخاوف المستثمرين.

استحضر التقرير تجربة احتجاجات السترات الصفراء بين عامي 2018 و2020، التي كلفت الاقتصاد ما يعادل 0.1 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وأبلغت متاجر عن خسائر بلغت ملياري يورو. يرى رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماريو مونتي أن التطورات المالية قد تتسارع بوتيرة كبيرة.

أوضح مونتي أن الفارق بين عوائد السندات الإيطالية والألمانية ارتفع خلال الأزمة الإيطالية عام 2011 من نحو 150 نقطة أساس إلى أكثر من 500 نقطة خلال بضعة أشهر. بلغ الفارق بين العوائد الفرنسية والألمانية 169 نقطة أساس عند إغلاق الأسواق يوم الجمعة، بينما وصلت عوائد السندات الفرنسية لعشر سنوات إلى 5.14 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2002.

يرى مونتي أن فرنسا اعتادت الاستفادة من ثقلها السياسي والاقتصادي داخل الاتحاد الأوروبي لتجاوز قواعد الانضباط المالي أو الالتفاف عليها، لكن احتمال أن تصبح دولة بهذا الحجم في قلب أزمة ديون أوروبية أمر لا يمكن استبعاده.

رغم امتلاك البنك المركزي الأوروبي أدوات للتدخل في أسواق السندات الحكومية وفق شروط محددة، حذر مونتي من أن الرأي العام الفرنسي لم يدرك بعد حجم المخاطر المحتملة، معتبراً أن البلاد غير مستعدة نفسياً لاحتمال أن تصبح نقطة انطلاق لأزمة مالية تمتد إلى دول أخرى.

لا تقتصر الأزمة على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى تراجع الثقة في المستقبل والنظام السياسي. أظهر استطلاع للرأي الشهر الماضي أن تسعة من كل عشرة فرنسيين يشعرون بالتشاؤم إزاء المستقبل، ويعتقدون أن أوضاع أبنائهم ستكون أسوأ. كشفت دراسة أوروبية سابقة أن نصف المشاركين الفرنسيين فقط يشعرون بالفخر بالنظام الديمقراطي، مقارنة بنحو الثلثين في ألمانيا وما يقرب من 70% في بريطانيا.

أسهم هذا التشاؤم في تعزيز توجه الناخبين نحو مرشحين مناهضين للمؤسسة السياسية التقليدية، من بينهم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان وزعيم اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون. حصل لوبان على تأييد 34 بالمئة من الناخبين وفقاً لمتوسط استطلاعات الرأي في أكتوبر، مقابل 15 بالمئة لميلانشون، مما يعني أن ما يقرب من نصف الناخبين يميلون للتصويت لمرشحين مناهضين للنظام القائم.

يسعى المرشح المنتمي لليمين الوسط إدوار فيليب لتقديم نفسه كمرشح للانضباط المالي والاستعداد لاتخاذ قرارات صعبة، لكن حملته تواجه صعوبات في تحديد مسار واضح. تزيد احتمالات مواجهة بين لوبان وميلانشون في جولة الإعادة من قلق المستثمرين، خصوصاً أن كليهما يدعو لإنفاق مليارات اليوروهات لخفض سن التقاعد.

قال مسؤولون ومشرعون ودبلوماسيون لبوليتيكو إن فرنسا لا تواجه حالياً خطرًا مماثلًا للأزمة اليونانية التي أجبرت الحكومة على مواجهة صعوبات في سداد مستحقات الموظفين والدائنين، لكنها قد تمر بأزمة شبيهة بما شهدته إيطاليا عام 2011.

أكد النائب الوسطي شارل دو كورسون أن فرنسا لم تصل بعد إلى مرحلة تهدد فيها بالإفلاس، في إشارة إلى أن الأزمة لا تعني أن الدولة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها. رصد التقرير مظاهر التوتر الاجتماعي خلال أعمال الشغب الأخيرة في باريس، حيث شجع رجل المارة على اقتحام متجر تعرض للنهب، واضطر صاحب مطعم صيني لإغلاق الباب لمنع اقتحام المكان.

خلص التقرير إلى أن استمرار الاضطرابات الاجتماعية بالتزامن مع الضغوط المالية وتراجع الثقة الشعبية يضع فرنسا أمام تحديات متشابكة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الاحتجاجات واستعادة ثقة الأسواق قبل الاستحقاق الرئاسي المقبل.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

Exit mobile version