“فضيحة فايزر” تلاحق فون دير لاين: اختبار شفافيتها أمام محكمة الاتحاد الأوروبي

تواجه رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، اختبارًا مصيريًا هذا الأسبوع مع اقتراب صدور حكم من محكمة العدل الأوروبية في قضية الرسائل النصية السرية التي تبادلتها مع الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، ألبرت بورلا. القضية، المعروفة إعلاميًا باسم “فايزر جيت”، تضع مبادئ الشفافية والمساءلة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي على المحك، وقد تكون لها تداعيات بعيدة المدى على مستقبل فون دير لاين السياسي وعلى مصداقية الاتحاد الأوروبي ككل.
جوهر القضية يتمحور حول ما إذا كانت الرسائل النصية المتبادلة بين فون دير لاين وبورلا، خلال المفاوضات حول صفقة اللقاحات الأكبر في تاريخ الاتحاد الأوروبي، تُعد وثائق رسمية تخضع لمعايير الشفافية والإفصاح. المفوضية الأوروبية دافعت عن موقفها برفض نشر محتوى تلك الرسائل، بحجة أنها لا تُصنّف كوثائق رسمية، بينما يرى نشطاء الشفافية أن هذه المراسلات لعبت دورًا جوهريًا في صنع القرار، ولا ينبغي معاملتها كوسائل تواصل شخصية.
عقد تاريخي وصفقة بالمليارات
تعود جذور القضية إلى ربيع عام 2021، حين كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن محادثات مباشرة بين فون دير لاين وبورلا أسفرت عن إبرام صفقة ضخمة التزم فيها الاتحاد الأوروبي بشراء 1.8 مليار جرعة من لقاح فايزر-بيونتيك المضاد لكوفيد-19. الصفقة التي وُصفت بأنها الأضخم في تاريخ بروكسل أثارت تساؤلات واسعة حول آليات التفاوض وغياب الشفافية.
رغم أهمية الظرف الصحي الطارئ آنذاك، إلا أن الطريقة التي أُديرت بها الصفقة خلف الأبواب المغلقة، ودون رقابة مؤسسية كافية، فتحت الباب أمام اتهامات لقيادة المفوضية بتهميش الأطر القانونية واستغلال ظروف الجائحة لتعزيز مركزية السلطة.
انتقادات متراكمة وإحراج شخصي
تمثل القضية إحراجًا شخصيًا لفون دير لاين، فهي لم توقّع فقط على العقد الضخم، بل تترأس المؤسسة المسؤولة عن تطبيق قوانين الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك قواعد الشفافية. وإذا ما حكمت المحكمة ضد المفوضية، فسيشكل ذلك ضربة قوية لمصداقيتها وذخيرة سياسية لمعارضيها داخل وخارج أروقة الاتحاد.
ما يزيد من حساسية الموقف أن القضية تعود للواجهة بعد أشهر قليلة من تعهد فون دير لاين العلني بتعزيز معايير النزاهة والشفافية في ولايتها الثانية، وسط تصاعد الخطاب القومي المشكك في جدوى مؤسسات الاتحاد.
قاعة المحكمة تكشف التناقضات
في جلسة الاستماع التي عقدت في نوفمبر 2024 بلوكسمبورغ، أبدت هيئة المحكمة استياءها من تبريرات المفوضية. فبعد سنوات من المماطلة، أقرّ محامو المفوضية أخيرًا بوجود الرسائل النصية، ما أثار موجة من السخرية داخل القاعة. المحامون حاولوا التقليل من أهمية هذه المراسلات، زاعمين أنها لم تكن مرتبطة مباشرة بمفاوضات العقد، وهو ما قوبل بتشكيك واضح من القضاة.
القضاة وجّهوا أسئلة مباشرة لممثلي المفوضية حول مدى جدية محاولاتهم للتحقق من وجود الرسائل ومحتواها، وسألوا بصراحة: هل تم سؤال فون دير لاين شخصيًا؟ هل تم فحص هاتفها؟ الإجابات جاءت غامضة، ما دفع القاضي خوسيه مارتن إي بيريز دي نانكلاريس لانتقاد “القصور الواضح” في إجراءات المفوضية، في حين وصف قاضٍ آخر الملف بـ”المربك وغير الشفاف”.
فضيحة تتجاوز الأطر القانونية
لا تقتصر تداعيات القضية على الجوانب القانونية البحتة، بل تمس جوهر العلاقة بين المواطنين الأوروبيين ومؤسساتهم. شاري هندز، مسؤولة السياسات في منظمة الشفافية الدولية، وصفت الحكم المرتقب بأنه “نقطة تحول” في مسار الشفافية داخل الاتحاد الأوروبي. وأشارت إلى أن القرارات ذات التأثير المباشر على الصحة العامة لا تحتمل السرية، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من النفوذ المتزايد للقطاع الخاص على صنع السياسات العامة.
أمينة المظالم الأوروبية السابقة، إميلي أوريلي، اتهمت فون دير لاين بإرساء ثقافة “كبح المعلومات” داخل المفوضية لأسباب سياسية، وانتقدت غيابها عن جلسة المحكمة قائلة: “الشخص الوحيد القادر على توضيح الأمور لم يكن حاضرًا”.
معركة الشفافية في قلب الاتحاد
حكم المحكمة المنتظر لن يكون مجرد قرار تقني حول تعريف “الوثيقة الرسمية”، بل اختبار سياسي بامتياز لمستقبل الحوكمة داخل الاتحاد الأوروبي. إذا أُجبرت المفوضية على الكشف عن الرسائل، فسيكون ذلك سابقة تؤسس لمزيد من الرقابة على كبار المسؤولين، وتفتح ملفات مشابهة تتعلق بإدارة الأزمات والعقود الكبرى.
في المقابل، إذا تم تأييد موقف المفوضية، فستكون النتيجة تعزيزًا لصورة بيروقراطية متعالية، تضعف الثقة العامة وتؤجج النزعات الشعبوية.
في كلتا الحالتين، يبقى “فايزر جيت” لحظة فارقة في مسيرة أورسولا فون دير لاين، التي تجد نفسها اليوم على المحك بين إرثها السياسي ومبادئ الاتحاد الأوروبي التي تعهدت بحمايتها.



