رئيسيشئون أوروبية

ثلاث معارك كبرى تهدد خطة إنقاذ قطاع الاتصالات الأوروبي

بعد سنوات من المداولات الطويلة، تستعد المفوضية الأوروبية للإفراج عن قانون الشبكات الرقمية في ديسمبر المقبل، وهو تشريع يُفترض أن يُحدِث نقلة نوعية في البنية التحتية للاتصالات عبر القارة. ويهدف المشروع إلى تسهيل نشر شبكات الجيل الخامس والألياف البصرية، وزيادة الاستثمارات في المجال الرقمي. لكن، ورغم الطموحات، يواجه القانون المرتقب معارضة شرسة من أطراف متعددة، وسط مخاوف من أن يتحول إلى ساحة صراع بين شركات الاتصالات الكبرى، عمالقة التكنولوجيا، والحكومات الوطنية.

المعركة الأولى: شركات الاتصالات ضد شركات التكنولوجيا

لطالما اشتكت شركات الاتصالات الأوروبية من القواعد المقيدة والسوق المجزأة التي تعوق قدرتها على التوسع وتحقيق أرباح مستدامة. هذه الشركات ترى أن عمالقة التكنولوجيا – مثل نتفليكس ويوتيوب وتيك توك – يستفيدون بشكل هائل من الشبكات الأوروبية من دون المساهمة في تكاليف تطويرها.

من هنا، طرحت المفوضية خيارًا مثيرًا للجدل: إلزام مقدمي المحتوى بالمساهمة في تمويل الشبكات. لكن هذا المقترح أثار مخاوف من أنه قد يقوض مبدأ حيادية الشبكة، الذي ينص على معاملة كل البيانات الرقمية بالتساوي. المنظمات الحقوقية والثقافية حذرت بدورها من أن الخطوة قد تفتح الباب أمام شبكة إنترنت مجزأة، حيث يتحكم مزودو الخدمة في حركة المرور ويضغطون على مقدمي المحتوى لفرض رسوم إضافية.

رد شركات التكنولوجيا جاء واضحًا: المعركة ستكون حتى النهاية، ففرض التزامات مالية عليها قد يضر بالمستهلكين ويهدد الابتكار الرقمي.

المعركة الثانية: مشغلو السوق التقليديون ضد المنافسين الجدد

قضية أخرى تثير الانقسام تتمثل في العلاقة بين شركات الاتصالات الكبرى ومنافسيها الأصغر حجمًا. فالقواعد الحالية في الاتحاد الأوروبي أجبرت الشركات المهيمنة مثل فودافون ودويتشه تيليكوم على فتح شبكاتها أمام المنافسين بأسعار محددة مسبقًا، مما أتاح للشركات الجديدة دخول السوق وخفض الأسعار للمستهلكين.

لكن المسودة الجديدة للقانون تميل إلى تخفيف هذه القيود، في محاولة لتمكين اللاعبين التقليديين من استعادة استثماراتهم ودفع عجلة الدمج. المنافسون الأصغر يحذرون من أن ذلك سيؤدي إلى إعادة الاحتكار، ويقوض التنافسية التي تطلبت سنوات طويلة لبنائها.

من جهة أخرى، تدافع شركات الاتصالات الكبرى عن موقفها، مؤكدة أن استمرار النظام الحالي سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات وتباطؤ نشر شبكات الجيل الخامس والألياف، مما يترك أوروبا خلف آسيا وأمريكا في سباق التكنولوجيا.

المعركة الثالثة: العواصم الأوروبية ضد بروكسل

البُعد السيادي يُعد ساحة الصراع الثالثة. فالدول الأعضاء، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا والمجر، تعتبر أن تخصيص الطيف الترددي – وهو مورد نادر وحيوي للاتصالات – مسألة أمن قومي واقتصاد وطني. ومن ثم، ترفض هذه الدول أي محاولة من بروكسل لانتزاع هذه الصلاحية وتحويلها إلى قرار موحد على مستوى الاتحاد.

المفوضية ترى أن غياب التنسيق بين الدول أدى إلى تأخر إطلاق الجيل الخامس، وأضاع على أوروبا فرصة المنافسة عالمياً. لكن الحكومات الوطنية تعتبر أن السيطرة على الطيف جزء لا يتجزأ من سيادتها، ولن تتنازل عنه مهما كانت التبريرات.

مستقبل غير محسوم

القانون الجديد، الذي كان يُفترض أن يكون خطة إنقاذ استراتيجية لقطاع الاتصالات الأوروبي، بات مهددًا بالغرق في بحر الخلافات. الصراع بين شركات الاتصالات والتكنولوجيا، وبين المشغلين التقليديين والمنافسين الجدد، وأخيرًا بين العواصم وبروكسل، يجعل من الصعب تمرير القانون دون تنازلات مؤلمة.

مع ذلك، تبقى الحقيقة أن أوروبا، التي فقدت بالفعل موقعها الريادي في شبكات الجيل الخامس، لا تملك رفاهية الفشل. أي تعثر إضافي قد يترك القارة متأخرة لعقد آخر، في وقت تواصل فيه الصين والولايات المتحدة السباق بلا هوادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى