قانون أورسولا فون دير لاين لموازنة الاتحاد الأوروبي: تسوية محفوفة بالمخاطر

قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تنازلات كبيرة للبرلمان الأوروبي في إطار مفاوضات إعداد ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل، في محاولة لتجنب مواجهة سياسية مفتوحة تهدد استقرار مؤسسات الاتحاد.
لكن هذه التسوية التي بدت انتصارًا تكتيكيًا قصير الأمد قد تتحول إلى سابقة خطيرة تزعزع توازن السلطة داخل الاتحاد الأوروبي، وتفتح الباب أمام برلمان أكثر جرأة يطالب بمزيد من الصلاحيات والتأثير على القرارات المالية.
وقد واجهت فون دير لاين خلال الأسابيع الماضية برلمانًا أوروبيًا متحفزًا رفض المقترحات الأولية للمفوضية بشأن توزيع أموال الميزانية للسنوات السبع المقبلة. كانت الانتقادات مركزة على سياسات الإنفاق الزراعي، والتمويل الإقليمي، ودور العواصم الوطنية في تحديد أولويات الصرف.
ولوقف تمرد محتمل داخل البرلمان، أعلنت فون دير لاين يوم الأحد سلسلة من التعديلات، تضمنت إدراج ما يُعرف بـ”الهدف الريفي” في الإنفاق الزراعي، ومنح القادة المحليين في الأقاليم مزيدًا من الصلاحيات لتوزيع الأموال الأوروبية.
ورغم أن هذه التعديلات هدأت الاحتجاجات مؤقتًا، إلا أنها مثلت رضوخًا نادرًا من المفوضية لمطالب البرلمان في مرحلة مبكرة من المفاوضات، وهو ما لم يحدث في جولات سابقة من مناقشات الميزانية الأوروبية.
صراع نفوذ بين المؤسسات
تسوية فون دير لاين تعكس – بحسب محللين في بروكسل – تصاعد التوتر بين مؤسسات الاتحاد الثلاث الرئيسية: المفوضية الأوروبية، ومجلس الاتحاد الأوروبي الممثل للدول الأعضاء، والبرلمان الأوروبي.
فبينما يرى المجلس أن دوره يتمثل في إقرار الميزانية بعد موافقة العواصم، يسعى البرلمان إلى تثبيت سلطته كمشارك كامل في رسم السياسة المالية للاتحاد، مستندًا إلى قاعدة سياسية جديدة أكثر يمينية وأقل استقرارًا من ذي قبل.
وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي لوسائل الإعلام الأوروبية: “البرلمان يستغل ضعف المفوضية لتعزيز نفوذه. ما يجري ليس نقاشًا حول الزراعة، بل صراع على من يملك الكلمة الأخيرة في أموال أوروبا”.
وقد تضخمت كتل اليمين واليمين المتطرف بعد الانتخابات الأخيرة، مما زعزع الأغلبية الوسطية التي لطالما وفرت الغطاء السياسي لفون دير لاين. ومع تصاعد تهديدات سحب الثقة عنها – ثلاث محاولات هذا العام وحده – أصبحت المفوضية أكثر حذرًا وأقرب إلى الرضوخ لتجنب أزمة جديدة.
برلمان يطالب بالمزيد
رغم نجاح التسوية في تجنب أزمة فورية، فإن أعضاء البرلمان من أحزاب الخضر والاشتراكيين والليبراليين أكدوا أن المعركة لم تنته بعد.
وقال راسموس أندرسن، عضو البرلمان عن حزب الخضر: “المقترح الحالي يمنحنا اجتماعات غير ملزمة بدلًا من سلطة حقيقية. نريد دورًا فعليًا في اتخاذ القرار، لا مجرد رمزية سياسية”.
كما طالب نواب آخرون بإضافة مصادر إيرادات جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، مثل الضرائب المشتركة والرسوم البيئية، لتقليل اعتماد الميزانية على مساهمات الدول.
ويرى مراقبون أن البرلمان يسعى لتوسيع صلاحياته تدريجيًا عبر الضغط في كل دورة تفاوضية، مستفيدًا من هشاشة التحالف الوسطي الذي تقوده فون دير لاين.
من جهة أخرى، حذر دبلوماسيون أوروبيون من أن استمرار المفوضية في تقديم التنازلات قد يُضعف سلطتها التنفيذية ويفتح الباب أمام فوضى مؤسسية في الاتحاد.
وقال أحد المسؤولين الأوروبيين: “كل تنازل اليوم يعني مطالبة جديدة غدًا. البرلمان يختبر حدود قوته، والمفوضية تخاطر بأن تصبح رهينة لمزاج الكتل السياسية المتقلبة”.
وبينما تسعى فون دير لاين لتجنب “معركة الميزانية الكبرى”، فإنها ترسم في الوقت ذاته ملامح مرحلة جديدة من الصراع المؤسسي في أوروبا، حيث لم يعد البرلمان يكتفي بدور المراقب، بل يريد أن يكون المشرع الممول وصاحب القرار.
ومع بقاء شهور قليلة على إقرار الميزانية، يبدو أن قانون فون دير لاين لموازنة الاتحاد الأوروبي قد يتحول من تسوية مؤقتة إلى اختبار خطير لمستقبل الحوكمة في بروكسل — بين برلمان جريء، ومفوضية مضغوطة، واتحاد يبحث عن توازن مفقود.



