من حافة الخروج إلى موقع القيادة: كيف تحوّلت اليونان إلى قصة تعافٍ اقتصادي تتصدر أوروبا

قبل عقد واحد فقط، كانت اليونان عنوانًا لأحد أكبر الانهيارات المالية في تاريخ القارة الأوروبية، ومرشحة بقوة للطرد من منطقة اليورو. اليوم، تقف الدولة ذاتها على رأس واحد من أهم المنتديات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي: مجموعة اليورو.
ويجسد هذا التحول الدراماتيكي شخصية وزير المالية اليوناني كيرياكوس بيراكاكيس، الذي انتُخب مؤخرًا رئيسًا للمجموعة بعد منافسة حامية مع نائب رئيس الوزراء البلجيكي فينسنت فان بيتيغيم.
ولم يتوقع معظم الدبلوماسيين الأوروبيين أن يفوز بيراكاكيس، خاصة أن منافسه البلجيكي يتمتع بخبرة عميقة وعلاقات راسخة داخل هياكل صنع القرار الأوروبية.
لكن تردد بروكسل – وخصوصًا بلجيكا – في الموافقة على استخدام عوائد الأصول الروسية المجمدة لصالح قرض بقيمة 165 مليار يورو لدعم أوكرانيا، أضعف موقف فان بيتيغيم، ليفتح الباب أمام المرشح اليوناني الذي ظهر كخيار قادر على التوافق بين الأطراف.
ويتجاوز نجاح أثينا في الحصول على هذا المنصب مجرد فوز دبلوماسي، فهو يمثل اعترافًا أوروبيًا صريحًا بأن اليونان لم تعد عبئًا ماليًا، بل باتت نموذجًا لاستعادة الانضباط المالي وإدارة الديون.
وكانت أزمة الديون اليونانية بين 2010 و2015 هزت أوروبا، ووضعت البلاد في سلسلة من برامج الإنقاذ القاسية التي فرضت إجراءات تقشف غير مسبوقة.
لكن بين عامي 2015 و2024، نجحت الدولة في تنفيذ إصلاحات مالية واسعة، مكّنتها من تقليص نسبة الدين إلى حوالي 147% من الناتج المحلي الإجمالي — وهي ما تزال الأعلى في منطقة اليورو، لكنها تراجعت من مستويات كانت تهدد بانهيار شامل.
وبيراكاكيس، الذي ينتمي إلى جيل سياسي تشكل وعيه خلال صدمة الانهيار، يقول إن هذه المرحلة القاسية منحت اليونانيين “إحساسًا عميقًا بضرورة الإصلاح، وأهمية التضامن الأوروبي، وحتمية التحول المؤسسي”.
ويضيف في رسالته لحملة رئاسة مجموعة اليورو أن قصة اليونان “ليست قصة وطنية فقط، بل قصة أوروبية”.
ومسيرة بيراكاكيس السياسية غير تقليدية. فالرجل، الذي بدأ حياته المهنية كخبير في علوم الكمبيوتر والاقتصاد السياسي، دخل السياسة من بوابة الاشتراكيين في حزب “باسوك”.
وقد عمل مستشارًا للحزب خلال أسوأ سنوات الأزمة، ثم انتقل لاحقًا إلى حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ ليشارك في حملة ميتسوتاكيس الداخلية عام 2015.
كما أن تكوينه الأكاديمي – بخلفية من جامعة هارفارد ومعهد MIT – جعله أقرب إلى عقلية التكنوقراط منه إلى نمط القيادات الحزبية التقليدية.
وعندما تولى وزارة الحوكمة الرقمية عام 2019، أطلق واحدًا من أكثر برامج التحول الرقمي طموحًا في الاتحاد الأوروبي، شملت رقمنة الخدمات الحكومية، وإصلاح آليات الاجتماعات الإدارية، واعتماد نظم رقمية في القطاع الصحي والتعليم وغيرها.
وقد جعله هذا التحول من أكثر وزراء الحكومة شعبية، وبرز اسمه مبكرًا كخليفة محتمل لرئيس الوزراء في قيادة الحزب، قبل أن ينتقل إلى وزارة التعليم ثم وزارة المالية.
وعندما تولى وزارة المالية في 2025، كان الملف الأبرز على طاولته هو تسريع سداد الديون وخفض نسبتها إلى أقل من 120% قبل نهاية العقد. وقد تبنى سياسات مالية تجمع بين الانضباط والابتكار، مع التركيز على تحسين التصنيف الائتماني لليونان وتعزيز ثقة الأسواق الأوروبية.
وهذا الالتزام أكسبه سمعة قوية داخل منطقة اليورو، خصوصًا أنه قدم نموذجًا لضبط المالية العامة دون صدامات سياسية داخلية حادة، على عكس ما عاشته البلاد خلال عقد الأزمة.
ويحمل انتخاب بيراكاكيس ثلاث رسائل رئيسية:
اعتراف أوروبي بنجاح التجربة اليونانية في تجاوز الأزمة المالية والعودة إلى مسار النمو.
بروز جنوب أوروبا كلاعب أكثر تأثيرًا في السياسات الاقتصادية للاتحاد، بعد سنوات من خضوعه لشروط التقشف.
تحول مجموعة اليورو نفسها إلى مساحة لإعادة رسم السياسة المالية الأوروبية في مواجهة التحديات المقبلة، من إعادة إعمار أوكرانيا إلى السياسات الصناعية والرقمية.
ورحلة اليونان من دولة منكوبة تهدد استقرار العملة الموحدة إلى قيادة المجموعة المسؤولة عن رسم السياسات المالية لمنطقة اليورو، تمثل تحولًا بالغ الدلالة في مسيرة الاتحاد الأوروبي. واليوم، يبدو أن أثينا، التي كادت أن تغادر النادي الأوروبي قسرًا، أصبحت أحد أبرز صناع قراراته.
بهذا الفوز، لا تحتفل اليونان فقط بإنجاز سياسي، بل تؤكد أن أزمة الأمس أصبحت اليوم رصيدًا يمنحها القدرة على قيادة الآخرين.



