القنفذ الفولاذي: كيف تستعد أوكرانيا للدفاع عن نفسها في عالم بلا ضمانات

تتحرك أوكرانيا بخطى متسارعة لإعادة تعريف مفهوم أمنها القومي، مدفوعة بقناعة متزايدة بأن الضمانات الأمنية التي قد يقدمها الحلفاء في أي اتفاق سلام مستقبلي قد لا تكون كافية أو موثوقة.
وفي مواجهة هذا الواقع، تتبنى كييف استراتيجية باتت تُعرف بـ«القنفذ الفولاذي»: دولة مسلحة بأسنان ردع حادة تجعل أي هجوم روسي جديد مكلفًا إلى حدّ لا يُحتمل.
وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قد دعت العام الماضي إلى تحويل أوكرانيا إلى “قنفذ فولاذي لا يمكن هضمه”، في إشارة إلى ضرورة بناء قوة ردع ذاتية، بغضّ النظر عن مسار المفاوضات السياسية.
وتقول أليونا غيتمانشوك، رئيسة بعثة أوكرانيا لدى حلف شمال الأطلسي، إن بلادها أجرت “مراجعة شاملة لمفهوم الضمانات الأمنية”.
وأضافت أن التفكير الأوكراني تغيّر جذريًا: “في السابق، كانت الضمانات تعني التزامات الحماية من الشركاء. اليوم، بات واضحًا أن جوهر أي ضمانات هو الجيش الأوكراني وصناعته الدفاعية”.
ويعني ذلك الحفاظ على جيش دائم ضخم، تصر كييف على ألا يقل قوامه عن 800 ألف جندي حتى في مرحلة ما بعد الحرب، باعتباره حجر الأساس في الردع المستقبلي.
لكن بناء هذا “القنفذ” يتطلب أكثر من الأعداد. فبحسب إيهور فيديركو، الرئيس التنفيذي للمجلس الأوكراني للصناعات الدفاعية، فإن الأمن المستقبلي “لا يتعلق بنظام سلاح واحد أو اختراق تقني منفرد، بل بمرونة الإنتاج وقدرته على العمل لسنوات تحت الضغط وبوتيرة يمكن التنبؤ بها”.
ولهذا، تعمل كييف على إصلاح أنظمة الشراء العسكرية، وتوطين إنتاج الأسلحة، وتطوير الصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب السعي لامتلاك أسطول حديث من الطائرات المقاتلة، بما في ذلك خطة للحصول على ما يصل إلى 150 مقاتلة من طراز ساب Gripen.
وتزداد هذه الجهود إلحاحًا في ظل استبعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، وهو الخيار الذي كانت كييف تعتبره الضمانة الأمنية المثلى.
ورغم تأكيد الأمين العام للحلف مارك روته أن أوكرانيا تحتاج إلى “ضمانات قوية” إلى جانب جيشها، إلا أن غياب المادة الخامسة يجعل أي ترتيبات بديلة أقل صلابة.
وتستحضر كييف بمرارة تجربة عام 1994، حين تخلت عن ترسانتها النووية مقابل وعود أمنية من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تبيّن لاحقًا أنها غير كافية.
وأحد أعمدة “القنفذ الفولاذي” هو التفوق في حرب الطائرات المسيّرة. وتؤكد الحكومة الأوكرانية أن روسيا تتكبد خسائر شهرية تُقدّر بنحو 35 ألف جندي، معظمها نتيجة هجمات بالطائرات بدون طيار.
وقال وزير التحول الرقمي والدفاع ميخايلو فيدوروف إن أوكرانيا أنشأت “سوقًا وطنية للطائرات المسيّرة، وأسطولًا غير مأهول، وأنظمة حرب إلكترونية وذخائر وصواريخ وطائرات اعتراضية”.
وفي عام 2025 وحده، تعاقدت وزارة الدفاع على 4.5 ملايين طائرة FPV، وأنفقت أكثر من 110 مليارات هريفنيا على هذا القطاع.
وفي ظل تشكيك واسع في مصداقية التعهدات الدولية، تتبلور القناعة في كييف بأن أفضل ضمانة لأمنها هي قدرتها على الصمود وحدها.
وتقول غيتمانشوك إن طول أمد الحرب “عزز ثقة الأوكرانيين بقدرتهم على مقاومة العدو”، ورسّخ الإيمان بأن الردع الذاتي، لا الوعود الخارجية، هو السبيل لمنع عودة فلاديمير بوتين إلى شن حرب جديدة.



