رئيسيشئون أوروبية

سجون إيطاليا على حافة الانهيار وسط حملة أمنية لميلوني تزيد الأوضاع سوءاً

توشك السجون الإيطالية على الوصول إلى نقطة الانهيار، في وقت تتخذ فيه حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مسارًا أكثر تشددًا في فرض القانون والنظام، عبر مرسوم أمني جديد يوسع قائمة الجرائم ويطيل فترات السجن، بينما تعاني منشآت الاحتجاز أصلاً من اكتظاظ مقلق ونقص حاد في الموارد والخدمات الأساسية.

في التاسع من يونيو/حزيران الماضي، عثر حراس سجن كالياري في سردينيا على سجين يبلغ من العمر 56 عامًا مشنوقًا في زنزانته، ليصبح حالة الانتحار الثالثة والثلاثين داخل السجون الإيطالية منذ بداية العام. الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا علّق على المأساة محذرًا من “حالة طوارئ اجتماعية حقيقية” بسبب الارتفاع “المقلق” في معدلات الانتحار خلف القضبان، داعيًا الحكومة إلى تحرك عاجل.

مرسوم أمني يفاقم الأزمة

ورغم المؤشرات المقلقة، مضت حكومة ميلوني قُدُمًا في اعتماد مرسوم أمني شامل أوائل يونيو/حزيران، يضيف 14 جريمة جديدة إلى القانون الجنائي، ويطيل مدد السجن، ويحد بشدة من البدائل العقابية مثل الإفراج المشروط أو العقوبات المجتمعية. المرسوم، الذي تحول إلى قانون، جاء ليشدد قبضة الدولة ليس فقط على الجريمة المنظمة بل أيضاً على الاحتجاجات الاجتماعية، إذ يجرّم تكتيكات مثل إغلاق الطرق أو احتلال المباني.

وقالت ميلوني إن القانون الجديد “خطوة ضرورية لضمان سلامة الفئات الأكثر ضعفاً وحماية ممتلكات المواطنين”، مضيفة: “نعمل بحزم ضد الإشغالات غير القانونية، ونسارع في عمليات الإخلاء لحماية العائلات وكبار السن وأصحاب العقارات الشرفاء.”

لكن منتقدين يرون أن السياسات الأمنية لحكومة ميلوني تخاطر بإغراق نظام السجون الإيطالي المتداعي. وأشار فيتوريو مانيس، أستاذ القانون الجنائي في جامعة بولونيا، إلى أن “الاعتقاد بأن المزيد من العقوبات والمزيد من الوقت خلف القضبان يعني مزيدًا من الأمن هو وهم خطير.”

اكتظاظ يفوق الطاقة الاستيعابية

بحسب تقرير صدر في أبريل/نيسان عن منظمة أنتيغون غير الحكومية المتخصصة في رصد أوضاع السجون، يضم النظام السجني الإيطالي أكثر من 62 ألف سجين، في حين لا تزيد الطاقة الاستيعابية الرسمية على 51 ألفاً، أي بنسبة اكتظاظ تصل إلى 119 بالمئة، وهي من بين الأعلى في الاتحاد الأوروبي.

ولا تقتصر الأزمة على الاكتظاظ فحسب، بل تشمل أيضاً نقصاً مزمناً في أعداد الموظفين وسوءاً في البنية التحتية، إضافة إلى تدنّي التمويل المخصص للخدمات الأساسية مثل الرعاية النفسية.

هذا الضغط ينعكس في أعمال عنف متزايدة. ففي 4 يونيو/حزيران، شهد سجن ماراسي بمدينة جنوة أعمال شغب شارك فيها نحو 200 سجين احتجاجًا على اعتداء جنسي مزعوم على أحد السجناء. اقتحم المحتجون أجزاء من السجن، صعدوا فوق الأسوار والأسطح، وألحقوا أضراراً بعدة زنازين، ما استدعى تدخل شرطة مكافحة الشغب لاحتواء الفوضى.

الانتحار… مؤشر مأساوي للأزمة

أليسيو سكاندورا، معدّ تقرير منظمة أنتيغون، حذر من أن تفاقم الأوضاع داخل السجون مرتبط مباشرة بارتفاع معدلات الانتحار، قائلاً: “حيثما يزداد العزل الاجتماعي وتقل الأنشطة والتفاعل الإنساني، ترتفع معدلات الانتحار.” وسجلت إيطاليا 91 حالة انتحار في السجون العام الماضي، وهو رقم قياسي تجاوز حتى أسوأ أرقام عام 2022، بينما تخطت الحالات 33 انتحاراً خلال النصف الأول من عام 2025 فقط.

شبح “توريجياني” يلوح مجدداً

سبق لإيطاليا أن واجهت مأزقًا مشابهًا عندما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عام 2013 حكمها الشهير في قضية “توريجياني”، الذي أدان روما بسبب المعاملة اللاإنسانية والمهينة للسجناء، لا سيما احتجازهم في زنازين تقل مساحتها عن ثلاثة أمتار مربعة للفرد. الحكم أجبر إيطاليا على تنفيذ إصلاحات أدت إلى تخفيض أعداد السجناء واعتماد أنظمة أكثر انفتاحاً داخل السجون.

لكن مسار الإصلاحات بات الآن مهددًا. إذ أعلنت حكومة ميلوني صراحة رفضها لخيارات مثل العفو الجماعي أو تقليل مدد الأحكام. وقال سيرجيو راستريلي، عضو مجلس الشيوخ عن حزب “إخوة إيطاليا”: “العفو لا يقدم سوى راحة مؤقتة ولا يعالج جذور المشكلة. بل إنه يقوض يقين العقوبة ويضعف سلطة الدولة.”

أزمة تبحث عن حلول

يرى مراقبون أن حكومة ميلوني تتعامل مع أزمة السجون كقضية أمنية وليست اجتماعية أو حقوقية. ويقول سكاندورا: “هذه الحكومة أقل انفتاحاً حتى في الزيارات المؤسسية للسجون. في الماضي، كان هناك اهتمام أكبر ليس فقط بظروف الموظفين بل بالسجناء أنفسهم.”

مع ارتفاع معدلات الاكتظاظ والانتحار والاضطرابات داخل السجون، تواجه الحكومة اختبارًا حقيقيًا في موازنة رغبتها في فرض القانون وبين التزاماتها الإنسانية والدستورية. والمرجح أن تتحول أزمة السجون إلى إحدى أكثر القضايا الاجتماعية والسياسية سخونة على الساحة الإيطالية في الأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى