تصاعد الانتقادات الأوروبية لإسرائيل بسبب المجاعة في غزة

في تحرك مشترك نادر، وجه قادة سبع دول أوروبية تحذيرًا حادًا لإسرائيل، محذرين من أن قطاع غزة بات على شفا مجاعة جماعية ما لم تسمح تل أبيب “بشكل فوري” بدخول المساعدات الإنسانية. البيان، الذي حمل نبرة استثنائية من الغضب، صدر يوم الجمعة عن قادة أيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورج ومالطا والنرويج وسلوفينيا وإسبانيا، ودعا إلى وقف الهجوم العسكري الإسرائيلي المتجدد على القطاع وفتح المجال أمام وكالات الإغاثة الدولية.
تحذير من الموت جوعًا
قال القادة الأوروبيون في بيانهم المشترك: “لن نصمت أمام الكارثة الإنسانية التي صنعها الإنسان والتي تحدث أمام أعيننا في غزة”. وأضافوا أن أكثر من 50 ألف فلسطيني قُتلوا حتى الآن في الحرب، وأن الآلاف الآخرين مهددون بالموت جوعًا “في الأيام والأسابيع المقبلة ما لم يُتخذ إجراء فوري”.
التحذير جاء بعد أيام من تقرير لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، أكد فيه أن 470 ألفًا من سكان غزة – أي نحو ربع عدد السكان – “يواجهون جوعًا كارثيًا”، في ظل استمرار إسرائيل في منع دخول المساعدات الغذائية منذ 2 مارس/آذار. وأوضح البرنامج أن أكثر من 116 ألف طن متري من المساعدات الغذائية لا تزال عالقة خارج القطاع.
تجاوز حدود التحذير الدبلوماسي
لم يكتفِ القادة الأوروبيون بالدعوة إلى السماح بالمساعدات، بل اتهموا إسرائيل بشكل مباشر بمحاولة “إجبار الفلسطينيين على الخروج من أجزاء من غزة والضفة الغربية”، مشيرين إلى “تصاعد عنف المستوطنين، وتوسيع المستوطنات غير القانونية، وتكثيف العمليات العسكرية”.
وقالوا في بيانهم: “إن التهجير القسري أو طرد الشعب الفلسطيني، بأي وسيلة كانت، أمرٌ مرفوض ويشكّل خرقًا للقانون الدولي. نرفض أي خطط أو محاولات للتغيير الديموغرافي”، مضيفين: “علينا أن نتحمل مسؤولية وقف هذا الدمار”.
مساعدات تحت السيطرة العسكرية
رد الفعل الإسرائيلي المباشر على البيان الأوروبي لم يصدر حتى الآن، لكن تل أبيب دافعت في السابق عن قيودها على دخول المساعدات بالقول إنها تهدف إلى منع سيطرة حركة حماس على الشحنات. وكشف وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن الحكومة شرعت في بناء “مراكز توزيع جديدة” للمساعدات تحت إشرافها المباشر.
وقال ساعر إن هذه الخطوة تحظى بدعم أمريكي، مضيفًا: “يجب ألا تستفيد حماس من المساعدات بعد الآن”، وهو موقف وصفه مراقبون بأنه يتجاهل حقيقة أن الكارثة الإنسانية تطال عموم سكان غزة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الجغرافية.
مواقف أوروبية متقدمة
التحرك الأوروبي الأخير يعكس تغيرًا ملحوظًا في خطاب بعض العواصم الأوروبية تجاه إسرائيل، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الشعبية والبرلمانية داخل تلك الدول للمطالبة بمحاسبة تل أبيب على الانتهاكات المستمرة في غزة.
وكانت أيرلندا والنرويج وإسبانيا قد أعلنت العام الماضي اعترافها الرسمي بالدولة الفلسطينية، ما أثار غضب إسرائيل، التي ردت بإغلاق سفارتها في دبلن وطرد دبلوماسيين نرويجيين. واليوم، تتقدم هذه الدول مجددًا صفوف المنتقدين، مطالبة بخطوات ملموسة وليس فقط بيانات تنديد.
ردود أفعال متوقعة
رغم أن البيان الأوروبي لا يشكل حتى الآن تحركًا دبلوماسيًا موحدًا على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل، إلا أن مراقبين يرون فيه مؤشرًا على تصاعد الضغط الأوروبي على إسرائيل، خاصة إذا انضمت دول أخرى – مثل فرنسا وألمانيا – إلى هذا التوجه في الأسابيع المقبلة.
ويرى دبلوماسيون أن هذا الخطاب قد يفتح الباب أمام تحركات أكثر جدية، بما في ذلك فرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في العنف، أو الضغط داخل الأمم المتحدة لاتخاذ إجراءات عاجلة بشأن الوضع في غزة.
مجاعة تحت الحصار
في مشهد يومي يعكس حدة الأزمة، تُظهر الصور القادمة من شمال قطاع غزة طوابير طويلة من الفلسطينيين، بينهم أطفال ونساء، وهم ينتظرون مساعدات شحيحة أو يبحثون عن غذاء في حاويات القمامة. في جباليا، إحدى أكثر المناطق تضررًا، باتت الوجبات اليومية حلمًا بعيد المنال، في ظل انهيار سلاسل الإمداد ونفاد المخزون الغذائي.
ويحذر مسؤولو الإغاثة من أن الأزمة لم تصل بعد إلى ذروتها، إذ إن استمرار الحصار وتوقف المساعدات يهددان بدخول غزة مرحلة المجاعة الكاملة، وهو ما حذرت منه تقارير أممية سابقة بالفعل.
الموقف الأوروبي الأخير، وإن كان غير ملزم لإسرائيل، إلا أنه يعكس تحوّلاً نوعيًا في الخطاب الرسمي، من التواطؤ الصامت إلى التحذير العلني من جريمة مجاعة جماعية. وبينما تواصل إسرائيل هجماتها وسياساتها التقييدية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكفي هذا الغضب الأوروبي المتصاعد للضغط من أجل وقف الكارثة الإنسانية في غزة؟



