الاتحاد الأوروبي يخطط لإصلاح مالي واسع لمواجهة هيمنة وول ستريت

تستعد المفوضية الأوروبية لتقديم حزمة إصلاحية واسعة النطاق تهدف إلى إعادة رسم قواعد الأسواق المالية في الاتحاد الأوروبي، في خطوة تسعى إلى تعزيز قدرة الكتلة على المنافسة عالميًا، ووقف تسرب رؤوس الأموال والشركات الناشئة إلى الولايات المتحدة.
وتتضمن الخطة، المقرر الإعلان عنها في ديسمبر/كانون الأول، تعديل نحو عشرة قوانين مالية تشمل تنظيم المنتجات الاستثمارية والعملات المشفرة، وإعادة هيكلة البنية التحتية للأسواق والإشراف عليها، بحسب مصادر مطلعة لصحيفة بوليتيكو.
وتتمحور الرؤية حول إنشاء سوق مالية أوروبية أعمق وأكثر تكاملاً، يوفر تدفق الاستثمارات اللازم لصناعة أوروبية تواجه منافسة شرسة من نظيراتها الأميركية والصينية.
فالولايات المتحدة تتمتع بوفرة رأس المال، ما يدفع الشركات الناشئة الأوروبية الناجحة إلى الانتقال للاستثمار في الولايات المتحدة، وهو ما يسعى الاتحاد الأوروبي لوقفه من خلال تعزيز القدرة الداخلية على تمويل النمو.
آليات الإصلاح المقترحة
تركز الحزمة على تحويل الإشراف المالي إلى مستوى الاتحاد الأوروبي من خلال هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA)، مما يعني نقل السلطة من الهيئات الوطنية إلى جهة مركزية، لتوفير رقابة أكثر اتساقًا على:
مزودي خدمات الأصول المشفرة، التي سيشرف عليها ESMA مباشرة.
البورصات الكبرى العابرة للحدود ومراكز المقاصة.
مستودعات الأوراق المالية المركزية.
كما سيتم تعديل تشريعات رئيسية تشمل MiFID وMiFIR لقواعد السوق المالية، وEMIR لمراكز المقاصة، وAIFMD وUCITS للاستثمارات، وCSDR لمستودعات الأوراق المالية، وMiCA للعملات المشفرة، بالإضافة إلى تنظيم إشراف ESMA.
مقاومة ومناورات سياسية
تواجه المقترحات تحديات سياسية كبيرة، إذ ترفض عدة دول صغيرة، مثل لوكسمبورج وأيرلندا، منح سلطات رقابية إضافية للاتحاد الأوروبي، خشية فقدان السيطرة على شركاتها المالية.
وفي المقابل، تدعم فرنسا هذه الخطوة باعتبارها وسيلة لتقوية موقع الاتحاد الأوروبي في الأسواق العالمية. أما ألمانيا، فموقفها معقد؛ بينما أبدى المستشار فريدريش ميرز ووزير المالية لارس كلينجبيل دعمًا لإنشاء بورصة أوروبية موحدة، إلا أن برلين ترفض بشكل عام الرقابة المركزية على العملات المشفرة.
ويعكس الجدل الصراع بين السيادة الوطنية ومصلحة السوق الموحدة، حيث يتعين على الاتحاد الموازنة بين رغبة بعض الدول في الاحتفاظ بالسلطة المحلية والحاجة إلى تنسيق أكبر لتعزيز القدرة التنافسية.
إعادة هيكلة ESMA
يشمل جزء من الحزمة إصلاح نموذج الحوكمة والتمويل لهيئة ESMA، بحيث يُنشأ مجلس تنفيذي مستقل يتخذ القرارات الإشرافية، بدلاً من الاعتماد على مجلس يضم الهيئات الوطنية كما هو الحال حاليًا.
كما ستزداد نسبة تمويل الهيئة من رسوم القطاع المالي، في حين قد تنخفض مساهمة الهيئات الوطنية في التمويل، ما يعزز استقلالية الهيئة ويزيد من قدرتها على فرض رقابة موحدة عبر الاتحاد.
وإذا نجحت الخطة، فإنها ستخلق سوق رأس مال أوروبية متكاملة قادرة على تمويل المشاريع والشركات الناشئة داخليًا، ما يقلل الحاجة إلى الاعتماد على رأس المال الأميركي، ويحد من هجرة الشركات الناجحة.
كما يمكن أن تعزز الإصلاحات من القدرة التنافسية العالمية للاتحاد الأوروبي وتحقق استقرارًا أكبر للأسواق المالية الداخلية.
الجدول الزمني
من المتوقع أن تُعرض الحزمة في قمة زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل ديسمبر/كانون الأول، بعد مناقشات داخلية مكثفة بين المفوضية والمسؤولين الوطنيين والبرلمانيين الأوروبيين.
وعلى الرغم من الجدول الزمني الضيق، فإن التحولات المقترحة في الإشراف المالي والبنية التحتية للأسواق ستتطلب موافقة سياسية واسعة داخل الاتحاد، ما قد يطيل عملية التنفيذ.
وتأتي هذه الخطوة في سياق سعي الاتحاد الأوروبي لتحقيق استقلالية مالية أكبر ومواجهة الهيمنة الأميركية على الأسواق العالمية. بينما توفر الإصلاحات إمكانات كبيرة لتعزيز الاستثمارات ودعم الشركات الأوروبية، فإنها ستواجه مقاومة سياسية داخلية من دول تخشى فقدان السلطة الوطنية على الأسواق المالية.
وسيعتمد نجاح الحزمة من عدمه على قدرة الاتحاد على التوفيق بين المصالح الوطنية وتطلعات السوق الموحدة، بما يضمن منافسة فعالة مع وول ستريت وحماية مصالح المستثمرين الأوروبيين.



