المفوضية الأوروبية تؤجل قرار مساعدات الهجرة وسط انقسامات بين الدول الأعضاء

أقرّ مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي ماغنوس برونر بتأجيل اتخاذ القرار المتعلق بتحديد الدول الأعضاء التي ستتلقى مساعدات الهجرة والتضامن بموجب ميثاق اللجوء والهجرة الجديد، مؤكداً أن المفوضية “غير قلقة” من تجاوز الموعد النهائي المحدد قانونًا لهذا القرار.
وبحسب وسائل إعلام أوروبية، كان من المقرر أن تُعلن المفوضية، الأربعاء، عن قائمة الدول التي تواجه “ضغوطًا غير متناسبة” بسبب الهجرة، على أن تُطرح مقترحات لتوزيع الدعم بينها، لكنّ القرار أُجّل إلى أجل غير مسمّى.
وفي مؤتمر صحفي عقده في لوكسمبورغ، قال برونر: “أنا متأكد من أننا سنتمكن من التوصل إلى اتفاق. لا أعتقد أن الأمر يهم سواء صدر القرار قبل أو بعد يومين؛ المهم أن ينجح في النهاية.”
وأضاف أن المفوضية “تدرك أن الموعد النهائي مذكور في القانون”، لكنه برّر التأخير بالقول إن “هذه المرة الأولى التي نقوم فيها بهذا التمرين… والأمر ليس بهذه السهولة لأنها تجربة جديدة تمامًا”.
وبذلك، تكون المفوضية قد أخلفت الموعد الزمني المحدد قانونيًا ضمن ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد، الذي يُلزمها بتحديد الدول المستفيدة من تدابير التضامن بحلول منتصف أكتوبر.
انقسامات أوروبية حول “التضامن الإجباري”
القضية المحورية التي تسببت في التأجيل، بحسب دبلوماسيين أوروبيين هي الخلاف بين دول الشمال والجنوب الأوروبي حول آلية تقاسم الأعباء.
ففي حين تطالب دول مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا بدعم مالي ولوجستي عاجل نظراً لتزايد تدفقات المهاجرين عبر البحر المتوسط، تعارض دول أخرى — أبرزها ألمانيا وهولندا وبلجيكا — إلزام الدول بتوزيع طالبي اللجوء أو تقديم مساهمات مالية إجبارية.
ويهدف نظام التضامن الأوروبي الجديد إلى السماح لكل دولة عضو باختيار شكل المساهمة:
إما استقبال عدد من المهاجرين من الدول الأكثر تضرراً، أو تقديم دعم مالي وتقني لتخفيف الضغط عن تلك الدول.
لكنّ الخلافات برزت حين اتهمت بعض الحكومات الأوروبية إيطاليا واليونان بـ“سوء إدارة” النظام القائم، وعدم الامتثال لما يُعرف بـ“قواعد دبلن”، التي تنص على أن الدولة الأولى التي يدخلها طالب اللجوء هي المسؤولة عن معالجة طلبه.
ووفقًا لإحصاءات وكالة الاتحاد الأوروبي للإحصاء، تلقت إيطاليا في عام 2024 نحو 42,807 طلبات لإعادة قبول طالبي لجوء من دول أوروبية أخرى، لكنها قبلت 60 طلبًا فقط.
أما اليونان، فتلقت 17,163 طلبًا ولم توافق سوى على 26 حالة — ما أثار غضب الشركاء الأوروبيين الشماليين.
أجواء سياسية متوترة
يأتي قرار التأجيل في ظل أجواء سياسية حساسة داخل الاتحاد الأوروبي، مع تصاعد الخطاب اليميني المعادي للهجرة في عدة دول قبيل الانتخابات المقبلة.
ففي فرنسا، تواجه الحكومة أزمة سياسية داخلية بسبب احتجاجات اليمين المتطرف ضد اتفاقات إعادة التوطين، بينما تستعد هولندا لانتخابات برلمانية الشهر المقبل، حيث تتصدر قضية الهجرة جدول الحملات الانتخابية.
ويجتمع وزراء داخلية الاتحاد في لوكسمبورغ لمناقشة حزمة من المقترحات الرامية إلى “تهدئة السخط الشعبي المتزايد” حول سياسات الهجرة واللجوء، قبل انعقاد قمة المجلس الأوروبي في بروكسل في نهاية أكتوبر.
وقال دبلوماسي أوروبي بارز إن “كل طرف يحاول كسب الوقت إلى أن تتضح نتائج الانتخابات في بعض الدول”، مشيرًا إلى أن “توقيت القرار حساس للغاية سياسيًا، لذا فضّلت المفوضية التأجيل على اتخاذ قرار قد يُغضب أحد الأطراف”.
تضامن قلق ومصداقية مهددة
حذرت وزيرة الهجرة البلجيكية آنيلين فان بوسويت من أن التأخير في تطبيق دورة التضامن “قد يقوض مصداقية الاتحاد الأوروبي” في التعامل مع ملف الهجرة، مؤكدة أن “نجاح ميثاق اللجوء والهجرة يسير جنبًا إلى جنب مع نجاح آلية التضامن التي تُعد ركيزته الأساسية”.
ورغم الإقرار بفشل المفوضية في الالتزام بالموعد، حاول برونر تهدئة المخاوف قائلاً إن “المشاورات تسير في الاتجاه الصحيح، وإن الهدف هو الوصول إلى اتفاق متوازن لا يفرض أعباءً جديدة على أي طرف”.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن استمرار التأجيل يعكس عمق الانقسامات الأوروبية بشأن قضية الهجرة، التي لا تزال تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية في القارة، لا سيما مع تزايد أعداد الوافدين عبر البحر المتوسط والبلقان خلال العام الجاري.
في المحصلة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة دائمة بين الالتزامات القانونية والتجاذبات السياسية، بينما تظل حدود الجنوب الأوروبي — من لامبيدوزا إلى ليسبوس — شاهدة على عجز القارة عن صياغة سياسة هجرة موحدة ومستدامة.



